ضائع في بشته المقصب، تائه في عالم مصطلحات «البريستيج»، تسحبه لهجته الأم من حيث لا يدري إلى مربع الصيحة الأولى، بتقاسيمها الدالة على حقيقة المنشأ، اللغة البنكية المكسرة تسيطر على مجرى الحديث، وكلما حل للاقتصاد طارئ تشدق، وما تبقى من الوقت مخصص لا محالة لمغامرات سيادته الرسمية وغير الرسمية، يعرف جل علية القوم، كما يعرف المدن بالادعاء، وعن المدن الأوروبية يرغي ويزبد، وفي النهاية لا شيء مفهوم غير ما تسهل عن برج باريس ومطارها، ينطقها بلكنة تسيء لمقام حريتها ونور روحها وشوارعها، والغريب المدهش أنه يتردد عليها لا لشيء يعتد به، ولا لشيء يمكن أن يُعبِر عنه هو بغير الكلمات الموغلة في التواضع، المخلة بثقافة الأمم، الجارحة لمشاعر المدن النائمة على كنوز الطبيعة المحفزة للعقول المبدعة مثل باريس العصية على الوصف، وكلمات صاحب البِشت المقصب هزيلة لا ترقى أن تكون في الإعراب مضافة إلى باريس، ولا حتى باريس العظيمة مضافة إليها، يا هل ترى كم شكت المدن العظيمة قدوم الأغبياء مع انبلاج كل صبح تعانق فيه الزهور الندى.
على ريموت مداخلات رفاقه، فريق «التطبيل» ينتقل على وجه السرعة إلى أحاديث متشعبة تسيطر عليها مغامرات السفر ورنات الحجول، يا لها من رنات نحاسية نكرة أحسبها تتثاقل خجلا من نفسها وهي المتراقصة بلا حياء، وقد وقفت على تواضع المكان ووهن الإنسان القادم في تفاصيل مخجلة حد الاشمئزاز.
عن كل البلدان يتكلم، وعن كل الشؤون يتحدث، والمدهش حينما يدور الكلام على وقع مداخلات الرفاق السذّج حول بعض العواصم العربية، يتحدث بإسهاب عن الملاهي الليلية، وطاولته المطلة على الأقدام المحناة، حديثه لا شك بلا قيمة أمام كبرياء المدن الشهيرة، وتاريخها المجيد ولذلك يلجأ إلى اختزال المكان والتاريخ في أيام رحلته المجدولة على إيقاع الطبلة والمزمار. تبا له، لا يحسن نطق أسماء المدن العملاقة، عاصمة «أم الدنيا» ينطقها على عجل - القاهرة - بكسر الهاء وكسر الراء وبوضوح لا تخطئه الأذن ذلك الوضوح الذي يكشف غطاء الهوية المزدوجة مثلها مثل الانتماء في الشكل والمضمون، إن لم أكن تحت سيطرة الظنون.
تريدون الخلاصة، الفساد المالي أحدث فجوة اجتماعية وجعل من البعض، رجال أعمال أو وجهاء محسوبين على الوطن والمجتمع، ليقول الواقع بالفم المليان، إن شر لوبي الفساد تجاوز الثراء على حساب الخزينة إلى حد المساهمة المباشرة في صنع مجتمع مريض، يشكو علة التطبيل وعلة بندقية الثراء في يد المجنون.
على مستوى شريحة كبيرة من المجتمع ولا أقول كله، الانفصام عن الواقع أصبح من عناوين المرحلة، ويمكن القول إنه من العناوين البارزة الجديرة بالتفكر، ولنا في من حولنا خير برهان وبكم يتجدد اللقاء.