يبدو أنه سؤالٌ لن نتعب كثيراً في العثور على إجابة عليه، إذ يظهر أن هناك مجتمعات تسعى بسرعة حثيثة لتأسيس أثافي الهدم الرئيسة لأي مجتمع، وهي الجهل والفقر والمرض، وهي لا تألو جهدا في ترسيخ هذه الأثافي وجعلها أركاناً أساسيةً لا يمكن تصور المجتمع بدونها
ويبدو من الظلم الواضح للمجتمعات تحميلها الوزر الأكبر من هذه الخطيئة المزدوجة دون أن يحملها أصحاب القرار القائمون عليها، إذ بيدهم هدم وبناء وإصلاح المجتمعات، ودفعها للرقي التعليمي والصحي والاكتفاء المعيشي، بما في مُكنتها من أدوات تساعدها على ذلك، ولكنّ مثقف السلطة دائما ما يقف من أسباب هذه المشكلات وقفةً غير محايدة بإسقاط كل مظاهر التخلف والعدمية بشكل كامل على المجتمع، فهو مجتمعٌ مريضٌ جاهلٌ فقيرٌ بطبعه وبإرادةٍ منه،كما يزعم، وتستوجب هذه الأحكام الجائرة بقاء تلك المجتمعات رهينةً إلى الأبد لأثافي الهدم الرئيسة دون أملٍ في إصلاحها من داخلها أو خارِجها
وبهذا تصير المجتمعات حين تؤمن بهذا الحكم الجائر جانيةً ومجنياً عليها في الوقت ذاته، ويصبح قصارى همّها التعايش مع هذه المعضلات الثلاث بدلاً من تجاوزها والتغلب عليها
إنّ خيانة مثقف السلطة هي في الحقيقة خيانة متعددة الجوانب، لأنها خيانةٌ للمجتمع الذي كان الأحرى به أن يقف إلى جانبه منافحاً عنه ومسهماً في علاجه وتربيته، بدلاً من وقوفه في خانة السلطة التي يُسعدها أن تجد من المثقفين من يقوم عنها بهذه المهمة التبريرية
وتبريرية مثقف السلطة تعد خيانةً أيضاً للسلطة التي هي في حاجةٍ دائمة إلى النقد البناء حتى ولو جاء قاسياً أحياناً، لأنّ النقد هو المرآة الوحيدة التي يمكن للسلطة أن تلاحظ من خلالها ملامحها على طبيعتها، ومن خلالها تستطيع السلطة أن تطيل أمد بقائها بتبني بعض الأفكار والمقترحات التي يجود بها المثقف خدمةً للمجتمع
ولا تخفى الخيانة الكبرى التي يمارسها مثقف السلطة لذاته المتصارعة معه في أغلب الحالات حين يجد المجتمع الضعيف غرضاً لسهام نقده دون أن ينادي بمسؤولية السلطة عن فساد المجتمع وتفشي أوبئة الجهل والفقر والمرض
على الدولة الواعية أن تدرك أن تفشي هذه الأمراض لا يمكن أن يكون في صالحها أبداً، وأنها في الغالب نذير شؤمٍ وشر وخراب، وحين تطغى هذه الأمراض وتفتك بجسد المجتمع تصبح الجريمة بشتى صورها أمراً حتمياً لا محيد للمجتمع عن الصيرورةِ إليه