قبل انتهاء هذا العام، سيبدأ منسوبو مؤسسات الطوافة تكثيف اجتماعاتهم للبدء في تكوين قوائمهم الانتخابية التي سيخوضون بها غمار انتخابات مجالس إدارات هذه المؤسسات التي ستقام في بداية الأشهر الأولى من العام القادم
ولكوني مطوفا، فإنني عايشت الانتخابات التي جرت خلال المراحل الثلاث السابقة على مدار اثني عشر عاما مضت، لمست فيها أن معظم المطوفين والمطوفات يلجؤون إلى انتخاب الأقرباء والأصدقاء ومن يضغط عليهم بانتخابهم، ويهملون أهم أهداف الانتخابات ألا وهو البرنامج الانتخابي، وحتى ولو كان يجمل قدرا من الأفكار والمشاريع التي يمكن أن يتحقق معها مكاسب كبيرة للناخب
ومن هذه المنطلقات يبرز أمامنا استفسار مهم ألا وهو: هل وعى الناس في بلادنا معنى الانتخابات بصورتها الحقيقية، وهل أدركوا نظمها وأهدافها؟!
في رأيي الشخصي: لا أعتقد ذلك
إن الانتخابات في بلادنا ما زالت تحتاج إلى وقت طويل لكي يدرك الناس أهدافها ونظمها والشفافية التي يجب أن تكون عليها!
صحيح أن الانتخابات كانت موجودة لدينا في الماضي في المجالس البلدية وغيرها، لكنها كانت في حدود البساطة وتغليب المصلحة وقد يكتنفها شيء من المجاملات
أما الانتخابات كمفهوم حضاري عصري، وكتطبيق أيديولوجي في الغرب، فهذا شيء آخر، غير الذي نلمسه حالياً في بلادنا
فالانتخابات هناك لها أسسها وأنظمتها وقواعدها التي يجب أن تنطلق منها
فالانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية تبدأ في حصص التربية الوطنية، ضمن مناهج المرحلة الابتدائية، حيث يبدأ الطفل تعلمها وتطبيقها في الفصل الدراسي في المرحلة الابتدائية تطبيقا عمليا، يحاكي ما يجري في المجتمع الكبير المحيط به...وقد شاهدت ذلك بنفسي، قبل أكثر من ربع قرن، عندما ولجت إلى فصل من الفصول الابتدائية الأمريكية برفقة مدير تلك المدرسة، الذي أخبرني أن الطلاب يجرون (انتخابات حرة) لاختيار عريف الفصل، حيث تقدم ثلاثة طلاب ورشحوا أنفسهم (لمنصب العريف) ثم عَرَّف كلُّ طالب بنفسه وببرنامجه الانتخابي، وأخذ يشرح ما سيقدمه وينجزه للفصل خلال فترة توليه (عرافة) الفصل، ثم عقدت مناظرة للطلاب الثلاثة، حيث أخذ طلاب الفصل من الأطفال يمطرون المرشحين الثلاثة بأسئلتهم التي يريدون من خلالها تكوين فكرة أعمق وأشمل لمن سيتولى قيادة فصلهم، وهل سيستطيع تحقيق أهدافهم التي يرجونها أم لا... ومن ثم بدأ التصويت، حيث انتخب طالب من الثلاثة وعين عريفا للفصل
(فالانتخابات) في أمريكا جزء من النسيج الاجتماعي الثقافي والفكري والعلمي والتربوي في الحياة الاجتماعية للمجتمع الأمريكي، لذا نشاهد أكثر من مائة مليون ناخب يذهبون لمراكز الاقتراع لينتخبوا مرشحهم، الذي قدم لهم على مدار عام كامل أجندته وبرنامجه الانتخابي، فالمواطن الأمريكي يختار برنامجا انتخابيا، ويختار مشاريع وأهدافاً وأعمالاً ونظماً واقتصاداً وطريقة حياة، والمجتمع الأمريكي والغربي بصفة عامة، لا يختار شخصاً لذاته أو لشكله أو لونه، وإن كان هناك من يفعل ذلك، ولكن يبقى هذا التصرف محدوداً، ليس له التأثير الإيجابي الكبير... فالاختيار يكون للشخص الذي يحقق ببرنامجه الانتخابي مصلحة المواطن والوطن
أما في مجتمعنا، وخاصة مجتمع الطوافة، فإن الغالبية العظمى تختار مرشحيها الذين سيمثلونهم في إدارة المؤسسة، لأشخاصهم وللروابط التي تربطهم بهم، سواء كانت روابط عائلية أو علاقات صداقة أو حتى علاقة مصلحة خاصة، كأن يعد المرشح لرئاسة مجلس الإدارة بأن يمنح مطوفا ما عملاً في المؤسسة أو أن يعينه في مجموعة خدمة ميدانية معينة لجنسية معينة مثلا ؟!
وبهذا تتلاشى الأهداف الحقيقية والهامة للانتخابات... كما أن الناخب لا يهتم للبرامج الانتخابية المقدمة من القوائم المتقدمة للانتخابات، مهما كانت قيمتها ذات مصلحة كبيرة للناخب!!، لأن الناخب يتجه إلى عوامل غير التي وضعت الانتخابات من أجلها!!!
ومن هذه المنطلقات، فإنني أعتبر أن الانتخابات المقامة في مؤسسات الطوافة فاشلة وسلبية، طالما أنها تدار بالطريقة المنظورة حالياً، ولأننا لم نعلمها أبناءنا، ولم ننشر ثقافتها عبر وسائل الإعلام، ولم نرب عليها شبابنا لذا فهي عملية مشوهة معوجة معوقة
ولنا أن نستقصي جميع القوائم التي نجحت في انتخابات ما، ماذا حققت للناخبين، وكم من الوعود تحقق على أرض الواقع، وما هي الإنجازات التي تجسدت مشاريع أو أنظمة داخل المؤسسات ؟!
الجواب: تحقق المستوى الأدنى من المطلوب
لذا، على الناخبين أن يجدوا أجوبة للأسئلة التالية: هل تحققت أمانيهم، وهل تحقق ما وُعدوا به، وهل طبق ولو (30 %) مما حملته البرامج الانتخابية؟!
لذا فإنني أقترح أن يوضع تنظيم جديد للانتخابات، يضعه خبراء ومثقفون في وزارة الحج ومؤسسات الطوافة وجهات أخرى متخصصة في هذا المجال، يحقق مصالح المطوفين ويرتقي بخدمات الحج لكي يؤدي الحاج مناسكه بيسر وسهولة، فنحن في عصر التكنولوجيا التي أخذت الإنسان للقمر قبل قرابة نصف قرن!!
كما أرجو من وزارة الحج أن تضع شروطا في قبول استمارات الراغبين في تكوين قوائم انتخابية، بأن تُقنن شخصية المتقدم من (المطوفين) فلا يقبل أي شخص، ومن أهم تلك الشروط النواحي الإبداعية التي يمكن من خلالها تحقيق نقلة نوعية في عمل المؤسسات!
ولكي نقفز بالعمل الإداري خطوات للأمام، مما يضعنا أمام مجالس إدارات فاعلة منتجة مؤثرة تضع بصماتها على العمل المؤسسي، كما يجب تفعيل الجمعيات العمومية للمؤسسات بتطبيق معايير مقننة لمحاسبة مجالس إدارات المؤسسات، وأن تكون هناك (جمعية عمومية مصغرة) لها صلاحيات الجمعية العمومية الأم، لأنه من المستحيل جمع خمسة آلاف مطوف ومطوفة لإبداء رأيهم في موضوع ما، مما يجعل مجالس الإدارات في حل مما يفعلون!!
على أن تمكن هذه الجمعية المصغرة من إصدار توصية أو قرار بإلغاء مجلس الإدارة وحجب الثقة فيه، وذلك بعد مرور عامين من تولية العمل في المؤسسة، بضوابط معينة، كأن يكون المجلس لم يحقق المستوى الأدنى المطلوب والمعلن عنه في البرنامج الانتخابي
كما أنني لاحظت أن بعض مجالس إدارات مؤسسات الطوافة يمكنها البقاء في هذه المجالس إلى ما شاء الله بدون تحديد لعدد المرات التي يحق لرئيس أو عضو مجموعة منتخبة أن يعاد انتخابه فيها!
لذا، يجب أن يوضع ضمن بنود نظام الانتخابات لدينا أنه لا يحق لأي رئيس أو عضو أن يتجاوز فترتين انتخابيتين، كما أرى إلغاء المادة التي تعطي وزير الحج صلاحية إلغاء مجلس الإدارة كاملا أو جزئيا أو أي عضو فيه
فأرجو أن نهتم بهذا الموضوع، لأن المؤسسات أياً كانت، (الطوافة/المجلس البلدي/ الأدلاء... ) أو غير ذلك، هي أمانة وضعها الناخبون في أعناق المنتخبين، كما أنها أمانة في أعناق الجميع، وهي أمانة في عنق الجمعية العمومية أكثر منها في عنق مجلس الإدارة المنتخب، لأن الجمعية العمومية هي التي جاءت بالمجلس، وهي التي اختارته وهي التي يجب أن تحاسبه
ثقافة الانتخابات.. ومؤسسات الطوافة
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
