في أعقاب العملية الإرهابية علي صحيفة «تشارلي إبدو» الفرنسية طالب ينس شتولتنبرج الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي بضرورة انضمام روسيا إلى «الناتو»، ووصفها بالشريك والحليف في الحرب على الإرهاب الراديكالي، بل أكد أنها أكبر جارة في أوروبا للناتو في مواجهة القضايا الهامة وعلى رأسها الإرهاب.
ولفت خبير الشؤون الخارجية الأيرلندي فنيان كانيجهام، في مقال بعنوان «أكاذيب الناتو المعتادة حول المعتدي الروسي»، ونشر في موقع مؤسسة الثقافة الاستراتيجية أمس الأول، إلى أن هذا التحول الجديد في سياسة الناتو يجب أن يقرأ بعناية ولا سيما أن الإجراءات التي اتخذت بالفعل لإنهاء كل تعاون أمني بين روسيا والناتو كانت إعلانا للحرب وعودة لأجواء الحرب الباردة من جديد، وكأن العالم كان يحتاج إلى عملية إرهابية كبرى من وزن «تشارلي إبدو» ليصحو من غفوته قبل أن ينحدر إلى حرب عالمية ثالثة.
قبل أيام فقط كانت وسائل الإعلام الغربية عن بكرة أبيها ومعظم المسؤولين بالولايات المتحدة والناتو يتهمون روسيا بأنها أكبر تهديد للأمن في أوروبا، وهي تحمل مخططات عدوانية لأوكرانيا ودول البلطيق وبلدان أوروبا الشرقية الأخرى، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى لإعادة الإمبراطورية السوفيتية من جديد والتهام قارة أوروبا بأكملها.
اللافت للنظر أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يكتف بفرض العقوبات الاقتصادية على روسيا وتسميم العلاقات بينها وبين دول أوروبا، إنما ساوى علنا في مناسبتين عالميتين على الأقل بين روسيا والإرهاب الدولي، مؤكدا أنهما معا يهددان السلام العالمي، وذلك في لقاء مجموعة العشرين عندما ألقى خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ثم في منتدى بريسبان بأستراليا نهاية العام الماضي.
أما وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، والذي يفترض أنه الدبلوماسي (المهذب) فقد شن هجوما على بوتين وأجرى مقارنات تاريخية بينه وبين الطغاة الفاشيين في القرن العشرين، متهما إياه بمحاولة تغيير حدود دول أوروبا تحت أسنة السلاح.
محاولة الأمين العام للناتو مد يد المصافحة والتعاون مع روسيا كحليف، بعد كل هذه الاتهامات المرسلة وتشويه سمعة بوتين والهجوم غير المبرر والتصعيد ضده، لا يشير إلى أن الناتو رجع لصوابه إنما إلى حالة الذعر والارتباك في الغرب والتناقضات التي تثبت يوما بعد يوم أن الناتو مسيس من قبل واشنطن وبروكسل.
فقد فرضت المصالح الاستراتيجية بين أمريكا وأوروبا الوقيعة الجيوسياسية بين أوروبا وروسيا، وتقويض روسيا بوصفها القطب الجديد في الاقتصاد العالمي الذي أصبح في الألفية الثالثة «متعدد الأقطاب».
لكن الغرب والناتو اكتشفا فجأة أن عسكرة أوروبا على حدود روسيا مكلفة جدا لأنها ترفع درجة الخطر إلى «الحرب الشاملة».