الرياح السياسية في الشرق الأوسط تتغير لكنها لا تزال تجلب معها الأزمة والحرب. حدثت التطورات هامة هذا العام، لعل أهمها حتى الآن فشل مؤتمر «جنيف 2»
أسباب فشل مؤتمر جنيف واضحة وكذلك نتائج الفشل. وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أوضح منذ البداية أن واشنطن تريد محادثات السلام أن تبدأ بشكل أساسي من نهاية حكومة الرئيس بشار الأسد. ولكن بما أن الجيش النظامي يسيطر على معظم المراكز البشرية والطرق الرئيسي في سورية، فإن هذا التغيير الراديكالي في موازين القوى لن يحدث إلى أن يتوقف المتمردون عن الخسارة ويبدؤون في الانتصار في ساحة المعركة. وبما أن المتمردين منقسمون حاليا، قد يستغرق الأمر فترة طويلة من الحر قبل أن يتمكنوا من فرض شروط الاستسلام على الجانب الآخر. قد يحدث ذلك بسرعة أكبر فقط إذا فقد الأسد وجيشه دعم روسيا وإيران وحزب الله، وهذا أمر لا يبدو أنه يحدث حتى الآن.
وقد يؤدي الصراع بين الغرب وروسيا في أوكرانيا والتطورات المتلاحقة هناك إلى إصرار الروس أكثر على أن تلحق بهم الهزيمة أو يتأثر وضعهم كقوة عظمى في سورية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في دمشق، وحمص، والريف المحيط بهما تتعرض لضغوط هائلة بسبب الحصار لدرجة أن بعض فصائل المعارضة المسلحة وقعت اتفاقيات محلية لوقف إطلاق النار أو هدنة. المناطق الأكبر مثل الغوطة الشرقية، وهي المنطقة شرق العاصمة السورية التي تقول الأمم المتحدة أن نحو 145.000 يعيشون فيها، أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها.الجيش النظامي يعاني من ضغوط بسبب انتشاره على بقعة واسعة، وهو يدخر قواته من أجل المعارك الإستراتيجية الهامة.
ولهذا وسع النظام ميليشيات ما يسمى «الدفاع الوطني»، والتي يشكل العلويون والمسيحيون الجزء الأكبر فيها، بالإضافة لاستعانة النظام بمقاتلي «حزب الله» اللبناني
الإستراتيجية التي تتبعها قوات النظام هي محاصرة وعزل المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وقطع الكهرباء والماء والطعام عنها، وبعد ذلك تقصف هذه المناطق بالمدفعية والبراميل المتفجرة من الطائرات المروحية، وبذلك تصبح هذه المناطق غير مأهولة. وقد سببت هذه الإستراتيجية استنكارا دوليا لا يعير له النظام أي اهتمام بذريعة أن العالم لا يهتم عندما تحدث مذابح في المناطق المؤيدة للنظام. الواضح أن النظام غير قادر على هزيمة المتمردين، لكن المتمردين أيضا غير قادرين على الإطاحة بالنظام
والمشكلة أن التدخل الأمريكي المباشر في سورية قد يكون أكثر صعوبة مما يبدو. المتمردون أكثر انقساما مما يبدو وبدؤوا يفقدون بعض التأييد الشعبي الذي كانوا يتمتعون به السابق. هذا لا يعني أن الحكومة تتمتع بتأييد كبير، لكن البعض لا يؤيدون أن تحل الجماعات المتشددة مكان الحكومة الحالية.
المعارضة «المعتدلة» يفترض أنها سوف تقاتل كلا من الجهاديين وقوات النظام في آن معا، لكن وجود بعض الفصائل المتطرفة في صفوف ما يفترض أنها معارضة «معتدلة» لا يقنع السوريين. إن من السذاجة الاعتقاد أن يعتقد البعض أن تزويد المقاتلين بصواريخ مضادة لطائرات محمولة على الكتف وصواريخ مضادة للدبابات سيقلب وحده موازين القوى
ربما تكون هذه النظرة ناجمة عن الاعتقاد بأن هذا النوع من الأسلحة غيرت مجريات حرب العصابات في أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين، والتي يبين التاريخ بوضوح أنها لم تفعل ذلك. منذ سنوات سألت ضابطا كبيرا في الجيش الأفغاني قاتل في تلك الفترة عن مدى فعالية صواريخ ستينجر المضادة للطائرة والمحمولة على الكتف، فأجابني بأن هذه الصواريخ لم تؤثر في الواقع على مجريات المعارك كثيرا. كل ما في الأمر أن الطائرات المروحية أصبح عليها أن تحلق بسرعة وعلى ارتفاعات منخفضة
كما أصبح الجيش السوفيتي والأفغاني النظامي يعتمدان أكثر على المدفعية. التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة تشير إلى أن الخيار العسكري قد يتراجع قليلا ليتم التركيز بشكل أكبر على الضغوط الدبلوماسية على روسيا وإيران وحزب الله للتخلي عن الأسد. ربما كان أحد الأخطاء الذي ارتكبته الدبلوماسية الغربية والإقليمية الداعمة للمتمردين في سورية أنها جعلت الأزمة تبدو وكأنها أزمة رجل واحد هو بشار الأسد، بينما هي في الواقع أزمة نظام بالدرجة الأولى. قد تعمد الدول الغربية وبعض الدول الإقليمية إلى تهدئة الصراع قليلا، ولكن حتى الآن ليس هناك مؤشرات على ذلك. مع الأسف، لم يختف أي من مكونات الحرب الطويلة في سورية حتى الآن أيضا.
* الإندبندنت