هل تنازل الناشر العربي عن دوره في إثراء حركة الطباعة والنشر، لصالح بائع متجول جل همه تحقيق أعلى نسبة من الربح، في حين يجأر هو كل عام بالشكوى من ارتفاع إيجار الجناح الذي يقدم فيه مطبوعاته

ثمة من يرى أن معارض الكتب العربية التي سرعان ما تنتقل من قطر إلى قطر فقدت دورها وموقعيتها، وتحولت مع ذلك التوجه المادي المسعور إلى أشبه بدكاكين تبيع الكتب، بوصلتها في ذلك عناوين براقة تعزف على الممنوع، وما يطلبه سوق النشر على حساب المضمون والإبداع والهدف الحقيقي للمعرفة


إضافة إلى كل ذلك يقفز المحتوى الرقمي كواحد من أكثر الإشكالات التي تواجه الناشر العربي، في ظل الزحف الكبير لوسائط وأساليب النشر الالكتروني الذي يتجاوز كل المحظورات الرقابية
على امتداد جغرافية الوطن العربي، يوجد 13 معرضا دوليا للكتاب، تم اعتمادها بحسب آخر قائمة محدثة نشرها اتحاد الناشرين العرب عبر موقعه على شبكة الانترنت، ولا توجد لدى الاتحاد كما يبدو أي دراسة تقيم مستوى تلك المعارض، باستثناء عدد من التوصيات التي تخرج في نهاية كل مؤتمر يعقده اتحاد الناشرون العرب، آخرها توصيات المؤتمر الثاني الذي عقد في 23 مارس 2013 في مكتبة الإسكندرية، تحت عنوان «تمكين المعرفة وتحديات النشر العربي»
يقول الكاتب والقاص محمد الراشدي، وهو أحد رواد عدد من المعارض العربية، إن النشر بات تجارة رائجة، تضرب بكل معايير الثقافة الجادة والإبداع الناضج عرض اللامبالاة، فتلك مسألة لا تحتاج إلى مزيد كلام، وهي جزء من تفاصيل رداءة ثقافية مكرسة بشدة، لكن تحميل الناشر وحده مسؤولية ذلك ضرب من التعامي عن الحقيقة، والحقيقة أن الناشر والمؤلف، ومؤسسات الثقافة، يتحملون مسؤولية هذا التردي
وبحسب الراشدي، فأن المؤلف الذي ارتضى جشع الناشر وطمعه وإذلاله وجائر عقوده، ورضي من الغنيمة ببضع نسخ، هو شريك في هذا القبح، ومؤسسات الثقافة التي أسلمت المؤلف ﻷقداره ومشيئة الناشرين، ولم تفعل كياناتها المختلفة بما يخدم الحراك الثقافي، ولم تتبن استراتيجية خاصة في دعم المؤلف، وتبني الجيد من نتاجه طباعة وتسويقا، وقبل ذلك حمايته من نهب الناشرين، هي أيضا شريكة في المسؤولية، أما الناشر فلا غرابة أن يتحرك برؤية التاجر في كل شيء، طالما هنالك مؤلف يحثو المال لا يعده، وتأخذه نهمة النشر عن أي مطالبة بحقوقه، وما من جهة تنتشله، أما النتاج بعد ذلك كله فيصدق عليه قول دعبل: إني ﻷفتح عيني حين أفتحها

على كثير لكن لا أرى أحدارئيس جمعية الناشرين السعوديين، نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب، الدكتور أحمد فهد الحمدان، الذي توجهنا إليه بعدد من تلك الإشكالات، يرى أن الناشر العربي لم يتنازل عن دوره الحقيقي في إثراء حركة الطباعة، مؤكدا حضوره في جميع المحافل الدولية والعربية، والإنتاج الغزير الذي يتحف به القارئ العربي، المتشوق للثقافة والفكر، حيث إن الناشر العربي يعيش في فترة صعبة للغاية في ظل ثورة المعلومات وتقنية الاتصالات الحديثة، وقد ظل، رغم ذلك، واقفا بكل ما يملك من طاقة مادية ومعنوية، وإيمان بدور رسالته الخالدة في المجتمع، ومن الأدلة على ذلك، ترجمة كثير من المنشورات العربية لعدة لغات، وكذلك فوز كثير من الإصدارات بجوائز عالمية، كل ذلك بفضل الناشر العربي الأعزل
ويشير الحمدان إلى أن شكوى الناشر المستمرة من ارتفاع سعر الأجنحة، من العوامل الخفية التي تطعنه من الخلف، وتثنيه عن دوره، الذي أصبح حتميا في وجه من يقف ضد الناشر الأعزل، وكان الأحرى بهم دعمه في معركته التي يحاول أن يدخل فيها الكتاب العربي ضمن ثورة المعلومات من خلال الكتاب الرقمي الذي أثبت وجوده في العالم
ويرى الحمدان أن الناشر العربي، وإلى زمن قريب، كان يدعم دعما كاملا، حيث الجناح المجاني، وتأمين تذاكر السفر، والسكن في أفخم الفنادق
وحول تقييم مستوى النشر والمحتوى العربي، يؤكد الحمدان على وجود لجنة لدى اتحاد الناشرين العرب خاصة بالمعارض، تقيم كل معرض بخدماته ومستواه وعوامل القوة فيه، وكذلك النقاط الإيجابية التي يمتاز بها، أما دور جمعية الناشرين السعوديين في خدمة المحتوى الثقافي ورفع مستواه، فهو دور فعال، وذلك من خلال توعية الناشر السعودي بالدور الحقيقي الملقى على عاتقه، حيث إن الجمعية تقوم بتنظيم مؤتمرات مهنية، وندوات ومحاضرات، من أجل رفع مستوى الناشر واطلاعه بأهم مستجدات وقدرات الشعوب في العالم أجمع، وكذلك محاولة مشاركة الناشر السعودي في جميع المحافل الدولية والعربية، بغرض الانتقال به إلى العالمية بدلا من أن يكون في محيط ضيق في مجتمعه، لأن نشر الثقافة السعودية داخليا وخارجيا بالدرجة الأولى مسؤولية الناشر السعودي، فهو سفير ثقافي لبلده لنقل المشهد الثقافي الذي تعيشه السعودية في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله