في جلسة اجتماعية أعقبت تعيين الأمير خالد الفيصل وزيراً للتربية والتعليم، حكى لنا أحد الأشخاص عن الفوضى اليومية عند بوابات مدارس أبنائه، وانطلاق الصغار دون رقيب بين السيارات، فكان أن استشعر واجبه الوطني، وقام بتسطير خطاب للوزير الجديد، يحكي له فيه عن تلك المغبة، ويرسم لها الحلول، ويشدد رجاءه للوزير بالتدخل السريع
وبعدها حكى لنا آخر عن تدني محصلة التعليم، وسوء العلاقة بين المدرس والطالب، ومشكلة الدروس الخصوصية، وكيف أرسل عريضة بذلك للوزير متضمنة كيفية المعالجة
ثم شرح أحد التعليميين المتقاعدين كيف أنه قد قام برفع دراسة ضخمة متكاملة للوزير، تُعنى بتطوير المناهج، وتدريب المدرسين، والتخلص من المباني المستأجرة
ثم تعالى الحوار محاكياً ما يحدث في قنوات الإعلام حينها، باحتوائه على برامج ومقالات تحتوي على كمٍ هائل من التوصيات، والتنبيهات، والطلبات، والتحذيرات، والدراسات والخطط الموجهة للوزير الجديد.. إعلام أسهب في تأطير نقاط ضعف الوزارة، وتناقل من مختلف الحلول والمقترحات ما يكاد يسد الأفق!وعندها تساءلت: ماذا لو قرر الوزير أن يطّلِع بذاته على هذا الكم الهائل من الخطابات والدراسات والمقالات والبرامج، وكم من الوقت سيحتاج قبل أن يلم بالصورة، وينتقي خطة المعالجة؟ وهل لديه الوقت والقدرة على فرز وتحليل واستيعاب مضامين ما يصله؟ وهل ستكون خلاصتها خطة علمية عصرية شاملة متخصصة، أم إنها ستكون شبيهة بوصفة «لبن سمك تمر هندي»؟الوضع أبسط من ذلك بكثير، ويمكن حله باتباع الأسس العلمية الإدارية السليمة، ودون الحاجة للعودة لمثل هذه الروى المبعثرة
فعند تسلم أي وزير جديد لوزارةٍ متهالكة عليه أن يؤمن بوجود عدد من العقول والكفاءات الوطنية العلمية المتخصصة فيها، ممن لم يوفقوا في الحصول على فرصتهم في السابق، وبعد التمحيص في خصائص رجالاته، واكتمال قناعاته، يختار منهم فريقاً إدارياً علمياً فنياً متكاملاً للقيام بتحديد خطط الوزارة في الفترة القادمة مما درسوه، وتعلموه بخبراتهم
فريق خليط من عقول شابة ومخضرمة متخصصة، يعرفون ماذا ينبغي، وكيف يبدؤون من حيث انتهت إليه الدول المتقدمة، مستعينين بالثقة والدعم من الوزير لإعادة تأسيس الخطط والهيكلة الوزارية، بداية بالرؤية، ومروراً بالرسالة، والأهداف، وانتهاء بأدق التفاصيل
الفكرة عند الأغلبية منا أن الوزير عبارة عن «مجموعة إنسان» يتولى دقائق جميع التخصصات الوزارية بذاته ليصنع أجزاء الخطة، ويغفلون عن تميز دوره القيادي الميداني لتحريك جيش هيكله الوزاري، بسلطته، وفكره الطيع القابل للتعلم ممن سبقوه في هذا المجال، فيعطي الخبز لخبازه، والطوبة للباني، والريشة للمبدع، وبعدها لن يصعب عليه انتقاء القوالب، وتبني الأفكار النيرة، وإعطاء كامل القوة للمنفذين، دون الحاجة للتبحر بحثياً فيما يثار في الصحف والقنوات، ولا أن يعكف بذاته على دراسة العرائض، التي تصله بالآلاف ليحصل على خطة عمل ستكون بلا شك مشوهة ملفقة
الوزير ليس "مجموعة إنسان"
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
