لا أتذكر متى آخر مرة دخلت فيها محل تسجيلات غنائية (استريو) ليس لأنني (مطوّع) كما يطلق على من يقصّر ثوبه ويطيل لحيته، بل لأن التقنية الحديثة كفتنا مشقة البحث والعناء عن منوعات غنائية كنا نأخذها من شارع عكاظ بالطائف، أو من محل تسجيلات مهمل بمحطة بائسة على طريق الجنوب!
ولكن بشكل عام كانت محلات التسجيلات الغنائية تشكّل محطة شبه يومية نرتادها لنتزوّد بما تيسّر من غناء الزمن الجميل، أو للسؤال عن آخر ما صدح به فنان أخاذ كطلال مداح أو مطرب عملاق كأبو بكر سالم أو إيقونة صباحية كفيروز
لإهداء (الكاسيت) مغلفا بورق الرسائل المعطر ذات زمن انفرط من عقد الفراشات الملونة
!وإن كان عدد مرتادي هذه المحلات قد انخفض بشكل كبير من قبل الرجال فأعتقد أنه قد انعدم من قبل النساء اللواتي أصبحن يحتفظن بكل أغنيات الروح في ملفات قلوبهن المحمولة في أيديهن، بيد أن ثقافة منع الرجال أو النساء لا تزال سائدة ومسيطرة على كثير من المحلات والمرافق والمنشآت بذريعة التوجس من البشر الذين قد يتحوّلون إلى ذئاب بشرية أو قطعان من الخرفان بحسب الفكر المحنّط!اقتحمت التقنية ووسائط الميديا كل مناحي الحياة الاجتماعية، وأضحى أفراد المجتمع يتراسلون عن بعد ويتواصلون بشكل واقعي وافتراضي، متجاوزين كل وسائل المنع وثقافة التحريم التي تتوافق مع عادات وتقاليد الشعوب أكثر من قيَمها الدينية العميقة، وهذا ما شكّل ثورة على بعض الشكليات النمطية تناغما مع ثورة العلم والتقنية الحديثة
واقعيا لم يعد شباب الجيل الثالث -إن جازت التسمية- يخضع لمثل هذه اللافتات التي يخترقها بضغطة زر على جهازه المحمول

