أعادني صوتها الحزين المبحوح للمربع مرة أخرى برغم سابق العزم على تجاهل ما تقوم بإعادة تصديره من شحنات الاستفزاز التي تستقبلها من نظيراتها
كنت فعلا قد عقدت العزم على عدم التدخل في شؤونها، لكنها «نزاهة» ما إن تهجر حماها حتى تسحبك ذكرى لحظات خروجها الأول الباهي وهي في رداء المسؤولية المفصل بعناية على مقاسات (الحدث) لتسحبك بالتالي لحظات التأمل إلى المسير على أرصفة موانيها المحملة ببضائع الشجون والهموم التي لا بد لها أن تجذب الساري وترغمه على الدندنة بصوت مدوزن على درجات بحة صوتها الذي رسمت الشيخوخة المبكرة ملامحه
نزاهة أمل الدولة ومستودع سر المخلصين تعزف اليوم مقطوعة الأحزان (أيها الشاكي إليك المشتكى) واللحن هذه المرة مختلف وفيه مسحة صاخبة متذمرة من قسوة وزارة الزراعة ورئاسة الهلال الأحمر، على موظفي الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وحماية النزاهة
ويبقى القول إن «مَنْ زرع حصد» والمجتمع يقبل الدعوى شكلا ويرفضها مضمونا لعدم الاختصاص، وهذا ليس من باب السخرية، بل من باب الإحباط صراحة
ماذا يمكن أن يعمل المجتمع بصدد هذا النوع من الأخبار المزعجة، غير الخلاص إلى أن الفساد مقبل على مرحلة من التضامن والتعاون بفعل تعنت بعض الجهات الرسمية الداعم لنشر ثقافة التعالي على القانون، وبسبب ارتباك الجهة المسؤولة عن تطهير الوطن من الفساد وضعفها المطمئن للفاسدين
لو طلبت منا «نزاهة»، كمجتمع، إعادة النظر في سلوكنا ومراقبة أيادي بعضنا الخفيفة المحبة للمال العام وأشياء أخرى ممنوعة، لقلنا: «تحت الأمر» وحاولنا الشفاعة لها عند «الحرامية» الذين ابتلانا الله، سبحانه وتعالى، بهم قبل أن يبتليها بهم
لكن المسألة خارجة عن حدود المقدرة، ومع ذلك يجوز للمجتمع أن يتبرأ من تصرف موظفي الزراعة والهلال، وعلى الجهة المتضررة اللجوء إلى الجهات الرسمية
وهي ذاتها العبارة التي تواجه بعض المواطنين في طريق المطالبة بالحقوق أو الشكوى من تعسف المسؤولين، الفرق أن جهات عملهم في حالة تهور بعضهم واللجوء للشكاوى خارجها تعاقبهم وتغلظ العقوبة بقرار غير مكتوب أقل ما فيه «اضغطوا على المدعو الشاكي وهمشوه»
وللإنصاف فإن الإعلام ساند نزاهة والمجتمع مد لها يد العون، ومن المؤكد أنه لن يتملص من مساعدتها لأنها لم تلب طموحه، أبدا، كل ما في الأمر أن نزاهة أقوى من المجتمع ولديها أدواتها الخاصة التي يحق لها الاستقواء بها وقت اللزوم
ومن هنا يمكن للمجتمع أن يذكر أطراف المسألة بأن الفقرة (الثالثة) من المادة (الخامسة) من تنظيم الهيئة تقضي بحكم نصها بأن (على جميع الجهات تزويد الهيئة بالمشاريع المعتمدة لديها وعقودها وعقود التشغيل والصيانة، وتمكين منسوبي الهيئة من تأدية مهماتهم وتزويدهم بما يطلبونه من وثائق وأوراق أو نسخ منها، ما يمكن الهيئة من أداء مهماتها)
هذا النص مدعوم في الأصل بتأكيد المقام السامي المبلغ لكل الجهات والقاضي بالاكتفاء ببطاقة التعريف التي يحملها ممثلو نزاهة لإثبات شخصياتهم وتبعيتهم
على أية حال، عقلاء القوم يدركون أن عمليات (الطرد) الودية التي يتعرض لها منسوبو «نزاهة» من قبل بعض الجهات من وقت لآخر لا تعني في الغالب محاولة إخفاء حالات فساد، ويعتقدون أن المسألة قد تكون تجربة لمهارات إدارية حديثة لقياس فعالية استراتيجية (قبضوهم الباب) وقياس مدى قدرتها في تخفيف حماس فريق عمل نزاهة وإحباط عنصر المفاجأة
(إيش تبغينا نسوي يا نزاهة، هل يرضي جنابك تعظيم الجدل حول مستقبل النزاهة في عهد «نزاهة»)؟ تدللي!
مستقبل النزاهة في عهد "نزاهة"
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
