لم تتجاوز تجربتها الشعرية والروائية خمس سنوات، لكنها احتاجت قبل ذلك إلى مسيرة هادئة، توقظ اشتعالات الروح في الجسد، لترتبط بالعراق الجريح عبر بوابة أكثر ألما من الشعر، انتظرت حتى يخلق الله لها شقيقا عشرينيا جرفته تيارات الفتاوى إلى هناك بنية الجهاد قبل 12 عاما، وظهر عبدالرحيم في إحدى القنوات الفضائية معترفا بأنه غرر به وأجبر على البقاء مع من يبيعون الموت، فكان فراقه وفقدان الاتصال به حتى اليوم الوقود الحقيقي الذي فجر ينابيع الشعر والرواية والقصص عند بلقيس الملحم، التي كررت دائما «لي قمر في العراق أنتظره». بلقيس التي أصدرت حتى الآن نحو ستة أعمال ما بين الرواية والشعر، جاءت نصوصها مليئة بالحسرة والندم على ما يجري هناك، وهي التي لم تزر بغداد ولا الموصل ولا كربلاء، ولكن دموع الثكالى خلقت لها جناحين حلقت بهما إلى حضن الأمهات مواسية ومعزية كما في «أرملة زرياب...قصص من العراق»، ورواية «حريق الممالك المُشتهاة» و» بيجان .. الذي رأى نصف وجهها». ومع أنها حاصلة على بكالوريوس دراسات إسلامية، إلا أنها تحن للأدب العربي بشغف، وانفتحت على ثقافة الفرات بمياهه العذبة، وألغت حدود الجغرافيا، لأن الكلمة عندها مجنحة، ومثلما يتذوق الأطفال طعم اللبن فيكفوا عن البكاء، تظل هي كذلك حتى يعود «قمرها». النقاد العرب الذين عرفتهم بلقيس وعرفوها سحرتهم بأعمالها ونفثت في ذاكرتهم شيئا من تجربة المرأة السعودية، وقدرتها على الكتابة، وصورة أخرى غير التي يرون. وفي ديوانها الأخير «مناديل القديسة» فاجأت بلقيس قراءها بلغة صافية وشفافة، تبتلت عن رموز كان لا بد منها، حتى إن الشاعر العراقي علوان حسين قدم للديوان بقوله: قرأت مناديل القديسة مرة واحدة وأنا في حالة من الدوخان، هذه الكلمة لا تفي بالتعبير، أشعر وكأني لم أقرأ من قبل شعرا بهذا الكم من الشفافية والقدرة على البوح والمناجاة وكأنه لغة ينابيع، كأنني أسمع نايا يلعب بالكلمات ليوقد حطب الرغبات.