تبقى الحياة رتيبة مملة حين لا يكون طابعها التجدد الدائم، وحين لا تحدث لنا الدهشة المتوالية التي تمنحها مذاقا مختلفا كل مرة، والعقلاء يدركون أن مساحة التجديد في برنامج الحياة واسعة ممتدة وأن المشكلة متى وجدت فهي في الإنسان نفسه، وإذا نظر المرء بتجرد لهذا المعنى وجد أن بإمكانه أن يعيش هذا المعنى بكل تفاصيله ومهما كانت ظروفه إذا قرر هو أن تكون خياراته مفتوحة، فإن حصرها في أنماط محددة من التجديد فهي وإن كثرت فإلى ملل ورتابة في آخر المطاف، وأكبر وأوسع وأخطر مواقع التجدد البشري هي النفس البشرية وزاوية نظرها للحياة بكل جوانبها، وأهم جوانب هذه النفس معتقداتها ويقينياتها، والتجديد في هذه الزاوية تحديدا يعني التقوية والتثبيت والإحياء والزيادة وهو معنى شرعي مطلوب أصلا، يقول صلى الله عليه وسلم (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدد إيماننا يارسول الله؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله) والفقه الظاهر لهذا الحديث أن أهم صور تجديد الإيمان هو إعادته إلى حالته الزاهية القوية، وتخليصه مما علق به من شوائب وأدران، فكأن العبد يعود باستحضار قضية التوحيد الكبرى والأولى إلى أقوى حالاته الإيمانية، ومن هذا القبيل بحث المؤمن دائما عن كل ما يزيد هذا الإيمان ويبعثه حيا في النفس ومن ذلك التفكر والنظر المستمر في الكون بكل تفاصيله وصولا إلى ملاحظة عظمة الخالق الموجد المبدع المدبر لهذا الكون سبحانه، ومن ذلك أيضا مواصلة الطاعات والعبادات وتتابعها وهو ما أمرت الشريعة بجزء منه على جهة اللزوم بعبادات يومية وأسبوعية وسنوية متنوعة، وبعبادات بدنية وأخرى مالية
ومن ذلك ربط حياة الإنسان الاجتماعية بالإيمان نفسه فإماطته للأذى عن الطريق لكي لا يؤذي الناس من شعب الإيمان، والتبسم في وجه المسلم وصلة الرحم والإحسان للجار وغيرها كلها من لوازم إيمانه، وكلما مارسها شعر بأثرها في إيمانه وقربه من ربه
وإذا اجتمع للعاقل مع هذه الفيوضات الإيمانية المتجددة تجدد عقلي بالتعلم الدائم والإنتاج العلمي أيا كانت صورته، وتجدد جسماني بالتريض الدائم وكسر العادات المضرة، وتجدد اجتماعي بالانفتاح على الناس وملاحظة تنوعهم والسفر والمشاركة الاجتماعية التطوعية، وأمثال ذلك من أنواع التجدد التي يتطلبها الإنسان بنفسه، فعندها سيشعر بمذاق آخر للساعات والأيام، وستكون الحياة له مهما شابها من كدر ميدانا فسيحا لا مجال فيه لضيق أو ملل أو انعزال، ولن يكون له ذلك بطبيعة الحال إلا حين يكون كل ذلك في إطار فهمه الأعمق والأهم للحياة على أنها مرحلة من المراحل، وأنها ليست إلا مقدمة للحياة الأبدية المقبلة، وفهمه هذا هو أعظم سبب لاستقرار نفسه واطمئنانها وتحملها لكل مشاق الحياة وأكدارها