بنى أجدادنا الأولون صروحا معمارية هائلة، كأهرامات مصر وزاقورات العراق ومقابر أباطرة الصين ومعابد آلهة الهند..
بنوها مستخدمين حجارة منحوتة من الجبال أو مداميك من الطين المحروق..
أما المستقبل فيبنيه الآن علماء ومهندسون باستخدام أحجار من نوع آخر، لا تُرى بالعين المجردة، أحجار من الذرات والجزيئات يشكلونها باستخدام التقنية التي ستغير الحياة كلها؛ تقنية النانو.
فخلال سنوات قليلة لن يكون لتطبيقات تلك التقنية المتحكمة في الوحدات الأولية للمادة حدود من أي نوع إلا حدود الخيال البشري!
فالطعام على اختلافه يمكن صنعه وبأي كمية ودون الحاجة للزرع والقلع والطبخ.. والحواسب ستصبح أذكى وأكثر استيعابا بما لا يقاس، والطلاء سيصلح خدوشه بنفسه، والفيروسات ستجد نانوهات تقارعها، والقلوب العليلة سيكون لها نانوهات ترممها من الداخل دون الحاجة لشق الصدور...إلخ
لكن أحدا لم ينتبه حتى الآن إلى أهم تطبيق ممكن لتكنولوجيا النانو، التطبيق الذي سيغير طبيعة البشر تغييرا جذريا لا رجعة فيه، وربما يجعل العالم مكانا أفضل، أقول ربما لأنني أحتفظ لنفسي بمساحة دائمة من الشك في التكنولوجيا، لكن فلنتعرف أولا على هذا التطبيق الثوري
ما الذي يسبب معظم تعاسات البشر منذ وجدوا على هذا الكوكب إلا الرذائل الأخلاقية الفادحة؛ الكذب والسرقة والقتل والخيانة والخداع والعنف والحروب التي تُشن لإرضاع الطمع إلى السلطة أو الثروة؟وكيف يمكن إيقاف هذا كله بطريقة سهلة لا تقبل غشا ولا تزويرا؟عن طريق (طوق الأخلاق الحميدة)
هذا الطوق المصنوع من الجزيئات النانوية المبرمجة برمجة موحدة من قبل جهة عالمية عليا مخولة من الأمم المتحدة وسلطات كل دولة، سيصبح ارتداؤه إجباريا لكل إنسان بالغ في عموم العالم، وسيقوم بتحسس الحالة الأخلاقية لكل شخص لحظة بلحظة بمستشعرات خاصة ذات قدرة فائقة على رصد التغيرات في المواقف الداخلية الأخلاقية للفرد الذي يرتديه، عبر قياس نسب التعرق واختلاف درجات الحرارة وخفقات القلب ومعدل التنفس وكهرباء المخ... بحيث سيضيء بلون أحمر حين يشرع هذا الشخص الذي يرتدي الطوق في انحراف أخلاقي من أي نوع.. وستكون له القدرة على إرسال نبضات كهربائية صاعقة للدماغ تشله فورا إذا ما حاول الشخص الذي يرتديه ممارسة العدوان أو إلحاق الأذى بنفسه أو بشخص آخر
والشخص الذي يجرؤ على السير في أي شارع دون ارتداء (الطوق) ينبغي إلقاء القبض عليه فورا وتحويله لمؤسسات عقابية تُنشأ خصيصا للمتمردين على الأطواق.
وهكذا فإن كل زوجة ستعرف فورا ما إذا كان زوجها يكذب عليها بشأن علاقته بسكرتيرته، ولن يكون أمام الأزواج إلا العفة مراعاة للطوق الفاضح!ولن يشعر أحدنا بالتهديد وهو يسير في الشارع أو يتعامل مع الآخرين، إذ يمكنه أن يلمح احمرار أطواقهم من مسافة بعيدة مما ينذره بأنهم يبيتون له شرا فيفر لينجو بنفسه، أو يكر واثقا في صعقات الأطواق الصارمة للابسيها الذين لعب الشيطان بنفوسهم!وبعد أن يعتاد البشر على ارتداء (الأطواق الأخلاقية) سوف يهجرون رويدا رويدا رذائلهم تلك، ويتحول العالم ببطء ولكن باطراد إلى عالم يسكنه مستقيمون أطهار، عالم لا كذب فيه ولا خداع ولا عدوان ولا حروب بقوة الأطواق النانوية!السؤال المهم هنا هو: هل يتنازل البشر عن حرية إرادتهم، وعن قدرتهم الواعية على الاختيار بين الاستقامة والانحراف ويسلمون ذلك كله إلى الطوق النانوي؟وهل يبقى الإنسان إنسانا بعد أن يسلب منه (طوق الأخلاق الحميدة) حريته؟وهل تقبل أنت - قارئي الكريم - أن تعيش في عالم يسلب منك كل لحظة شرف اختيار الصدق والعفة والعدالة واللاعنف.. ويمنح ذلك كله لطوق من جزيئات النانو؟هل سيكون عالم الأطواق المستقبلي ذاك فردوسا أم جحيما لأحفادنا؟المؤكد أنه سيكون عالما مختلفا جدا عن عالمنا الذي نعيشه اليوم، والذي يجعلنا بما يعج به من شرور ورذائل وآثام نقبل أي دواء شاف يمكن للتكنولوجيا أن تقدمه لنا، حتى لو كان طوقا يجعلنا أسرى للفضيلة!

