قبل عشرة أيام كنت أحتسي القهوة مع الصديق الودود الإعلامي القدير (الكويتي) يوسف الجاسم، وأثناء حديثنا داهم الجاسم اتصال من أحد الناشطين الكويتيين، يطلعه على عزمه هو ومجموعة من المثقفين والإعلاميين على نشر بيان ينتقد ويرفض ما جاء في بعض بنود الاتفاقية الأمنية الخليجية، مطالباً الصديق بالتوقيع معهم على هذا البيان. المشهد السياسي الكويتي، ضج كثيراً الأيام الماضية، وعلى إثره أرجأ مجلس الأمة مناقشة الاتفاقية حتى يتسنى دراستها من قبل مجلس الأمة، وتشير التوقعات إلى حتمية تصادم هذه الاتفاقية مع الدستور الكويتي.
على الرغم من أهمية التنسيق الأمني لملاحقة الجريمة وتكوين جهاز أمني كإنتربول مصغر على مستوى دول الخليج لمطاردة المجرمين، فإن غموض بعض مواد الاتفاقية الأمنية واختزال بعض فقراتها وافتقارها لتفسيرات واضحة، جعل كثيرا من أطياف المجتمع الخليجي يتحفظون عليها، بل ذهبت مخاوف البعض إلى أبعد من ذلك، فمنهم من يرى أنها ستكمم الأفواه، وتضيق الحريات العامة لمواطني دول المجلس، وسيصبح بموجبها انتهاك لحقوق الإنسان وحق التعبير مقننا، ومن ثم فلا بد من تفسيرات واضحة تبدد هذه المخاوف.
الفصل الخامس من الاتفاقية هو ما أثار الجدل وفتح باب التكهنات، حيث “منح القانون إمكانية ملاحقة مواطني أي دولة عند تدخلهم في شؤون أي دولة أخرى”، جاء ذلك في فصل “تسليم المتهمين والمحكومين”، وهنا كان لا بد من التفصيل والتفسير، هل كل صاحب رأي، وانتقاد لسياسة دولة مجاورة يعطي لها الحق بالمطالبة به وتسليمه إليها لمحاكمته؟ هناك العديد من أصحاب الرأي والحقوقيين محظور دخولهم إلى بعض دول مجلس التعاون الخليجي بسبب بعض آرائهم، فماذا سيحل بهم؟ وهل من الممكن ملاحقتهم إذا ما طالبت بهم هذه الدول؟

يجب ألا ننسى أن حرية الفكر والرأي بين دول المجلس هي متفاوتة ولا يمكن إخضاعها تحت قانون واحد، فما تراه الإمارات محظوراً على سبيل المثال، قد يكون مسموحاً به في السعودية، وأيضاً الانتقاد الحاد لأداء الحكومة وأحياناً مفاصل الدولة في بعض الدول قد لا يكون مستساغاً في دول أخرى، ويعاقب عليه ويجرم صاحبه.
ومن هنا أرى أن الفصل الخامس، وتحديداً المادة “16” يجب إعادة النظر فيها وتفسيرها تفسيراً كاشفاً وليس فضفاضاً، مع توضيح التهم التي على إثرها يتم تسليم المطلوبين. كما أن خلوها من أي إشارة للأوامر القضائية كان مخلاً، حيث من المعروف أن السلطة القضائية هي الجهة المخولة نظاما بإصدار أوامر القبض وتوجيه التهم.
في كل الأحول لا نريد للمادة “16” أن تكون سببا من أسباب تكميم الأفواه أو الاعتداء على حرية الرأي والتعبير في دول المجلس التي تؤكد حق التعبير عن الرأي لمواطنيها، مادام حرا ومسؤولا، يبني ولا يهدم.