تحسر عدد من سكان الأحياء والمخططات الجديدة في مكة المكرمة على فقدان علاقة الجيران والترابط والتواصل والحميمية التي يشعرون معها كأنهم أقارب؛ وأشاروا إلى أن فتور العلاقة بين الجيران واندثار العادات القديمة جعلا الحياة تفقد رونقها بعد أن كانت العلاقة بين الجيران في الماضي قوية ومتينة، حيث كانوا أسرة واحدة يشاركون بعضهم الأفراح والأتراح
وقالوا إن هذه العلاقة اختلفت في زماننا الراهن حتى إنها أصبحت شبه معدومة، لدرجة أننا أصبحنا نرى الجيران لا يعرفون بعضهم
بداية نبه إمام وخطيب جامع بادحدح بحي النوارية الشرقية الشيخ صالح الفهمي إلى اهتمام الشارع الحكيم بالجيران، وربط حقهم بحقه جل وعلا يدل دلالة واضحة على مكانة الجيران في الإسلام، وذلك عندما قرن الله تعالى حق الجار بعبادته وحده والإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين كما ورد في العديد من الأحاديث النبوية، وتكرار الوصية من جبريل عليه السلام بالجار حتى ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيورثه
وقال «لا يتسع المجال لذكر تلك الأحاديث، وقد بين نبينا الكريم أن من علامات الإيمان إكرام الجار وعدم إيذائه، ونفيه صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لا يأمن جاره بوائقه، وعن من لا يحب لجاره ما يحب لنفسه»
وأضاف الفهمي أن ترابط الجيران ومعرفتهم لأحوال بعضهم بعضا يجعلان المجتمع متماسكا ومترابطا يصعب اختراقه، لكننا في هذا الزمن وللأسف نسمع ونرى من لا يعرف عن جاره شيئا، وهذا مخالف لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أمر بتفقد أحوال الجيران
وقالت المواطنة سمية محسن «لقد كانت العلاقة بين الجيران قوية ومتينة لسنوات طويلة، حتى باتت تشبه علاقة الأهل، وكان كل شخص يهتم بأحوال جاره، ولا يهدأ له بال عندما يفتقده - ولو لفترة بسيطة - حتى يعرف ويتأكد أنه بخير، وقد يعاتبه عندما يقلل من التواصل، أو عند اكتشافه أنه بحاجة إلى من يساعده ولم يخبره، كما كان جميع الجيران يتشاركون في المناسبات، ويعلمون المستجدات كافة في حارتهم، من خلال تزاورهم الدائم وعند لقائهم بشكل يومي في المسجد، حيث يسألون عن أحوال بعضهم بعد انتهاء الصلاة وقبل أن يعودوا إلى منازلهم»
وتابعت «للأسف بدأت تلك العادات الجميلة في الاندثار يوما بعد آخر، وساد التفكك الاجتماعي بشكل كبير، حتى أصبح الجار بالكاد يعرف اسم جاره، مقتصرين على إلقاء التحية عندما يلتقون صدفة
وجود المخططات السكنية المتعددة زاد الطين بلة، وأصبح الجار لا يسأل عن جاره الذي يسكن بجواره إلا من رحم الله، حيث يفضل البعض الانعزال وعدم التواصل، حتى مع وجود التقنيات الحديثة، التي من شأنها تسهيل الأمر من خلال رسائل تبعث عبر خدمة «الواتس آب» أو البريد الالكتروني، تحتوي على دعوة للمشاركة في مناسبة زفاف أو واجب عزاء أو زيارة مريض»
وأشارت وفاء مينا (ربة منزل) إلى أن هناك فجوة عميقة وبونا شاسعا في الوقت الراهن بين الجيران، متناسين الوصية الخالدة للرسول الكريم (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)
فسكان الأحياء قديما كانوا يرتبطون بعلاقات حميمية، إذ إنهم كانوا يشكلون أُسرا ممتدة ويسكنون في مكان واحد، لكن تلك البنية اضمحلت بعد تمدد المخططات والأحياء السكنية الجديدة
من جهتها تؤكد الباحثة الاجتماعية تغريد جميل على أن المخططات السكنية ساعدت على انعدام التواصل الاجتماعي، وذلك لبعد المسافة وانعزال الجار وخوفه من التعرف والتواصل مع جيرانه، وذلك لتغير نمط الحياة والعادات والتقاليد، بينما كانت سابقا البيوت قريبة من بعضها بعضا، بحكم القرابة والجيرة، لذا كانت تسودهم روح المحبة والتآلف والمؤازرة في الشدة والفرح
وأشارت إلى سلبية العزلة وتأثيرها على علاقات الناس، وانعدام الأمان وتغير التعامل مع الآخرين وأصبح الكل في تحفظ خوفا من ردة الفعل وتجنب الضرر النفسي والمعنوي واللفظي
سكان أحياء بمكة : المخططات الجديدة أفقدتنا علاقات الجيرة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
