قال الله تعالى: «وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا. وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. «[لقمان: 15]
هذه الآية أصلٌ في علاقة الخلاف بالحقوق، وعلاقةِ الخلاف بالأخلاق. لا يوجد خلافٌ أعظم ولا أكبر من الشرك بالله تعالى، هو الذنب الأعظم، والظلم الأكبر، ثم يَجْمع مع هذا الشرك دعوةً إليه، وإلحاحًا ومجاهدة عليه! لقد بلغ بذلك الذروة من الخلاف، وكل خلافٍ يَتَطامنُ أمام هذا الخلاف، ومع ذلك لا يسقط حقُّ الوالدين في الصحبة بالمعروف! هذا هو دين الله الذي نفاخر به الناس، الذي لا يُسقط الحقوق من أجل الخلاف، ولا يترك الأخلاق من أجل الخلاف، بالغًا ما بلغ هذا الخلاف. فإذا وجدتَ تديُّنًا ينتهك الحقوق، ويتجاوز الأخلاق باسم الغيرة على دين الله، فانطق بلسانك وقلبك: سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.
هل هناك أشد غيظًا وحنقًا من رجل تَقبِضُ عليه في أرض المعركة، قَطَع الفيافي والقفار من أجل أن يقتل الرجال، ويسبي النساء؟ فإذا تمكنتَ منه، وشددتَ عليه الوثاق، وأصبح أسيرًا في يدك، كان الإحسان إليه - مع شركه وجُرمه - طريقًا إلى الجنة: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» [الإنسان : 8].
قال قتادة: لقد أمر الله بالأُسراء أن يُحسَن إليهم، وإنَّ أَسْراهم يومئذ لَأهل الشرك. ومهما تذكرتَ أحبابَك الذين قضوا نحبهم في تلك المعركة، والأطفالَ الذين تيتموا، والنساءَ اللائي ترمّلن، وشركَه بالله العظيم، وحربَه للمسلمين، فإن ذلك كله لا يبيح إسقاط الحقوق والأخلاق.
«أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ» [المائدة: 50].
لقد كان بعض اليهود يستحلون الحقوق بحجة الخلاف في الدين، كما وصفهم الله في كتابه: «ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)» [سورة آل عمران].
واللهُ لا يأذن بتضييع الأمانة، وانتهاك الحقوق، ومَن نَسَب ذلك إلى الله فقد أعظم على الله الفِرية. يستعصي الخطأ عن التصحيح حين يُنسب للشريعة كذبًا وزورًا، وهذا سبيلٌ قديم يحتاج إلى يقظة ومحاذرة: «وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا. قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ. أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)» [سورة الأعراف].
لقد كان أعلام الأمة في الصدر الأول، على يقظة تامة من استحلال بعض الحقوق بحجة الخلاف ولو كان في أصل الدين، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن حَبْر الأمة وترجمان القرآن، عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رجلا سأله فقال: إنا نُصيب في الغزْو من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس! قال: هذا كما قال أهل الكتاب: «ليس علينا في الأميين سبيل»! إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيِب أنفسهم.
وفي سورة الممتحنة نصَّ القرآن على «حُكْم الله»، وفيه إعادة الحق لبعض الكفار: «وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا. ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ. يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)» [سورة الممتحنة].
الخلاف في الدين هو الاختبار الأصعب لسؤال الأخلاق والحقوق، ولن نجد مثل الإسلام والقرآن حفظا للحقوق، وحافظا على الأخلاق، في حال الخلاف والوفاق.
دعوتُه للشركِ الأكبر.. ليست سببًا كافيًا لإسقاط حقوقه!
عبدالله القرشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
