لا يمكن أن تأخذ أي مشوار داخل مدينة من مدننا الكبرى دون أن يخدشك منظر الشارع، منظره الفوضوي سلوكيا، لا الشوارع التي أُكل اسفلتها من المعدات، ولا الأرصفة التي هدمتها الحفريات وانتفاء نفعها، ولا سلوك قائدي السيارات ولا فدان الاحترام المتبادل لأخلاقيات المارة
حاول أن تجيب على أي سؤال باتجاه أخلاقيات الشارع السعودي، وستجد أن كل الإجابات لا تؤدي إلى نتيجة، هل هي جهة واحدة المسؤولة عما يحدث، أم عدة جهات، ومن هي، ولماذا؟ وما هو دور المواطن في كل هذا الاحترام المفقود بيننا وبين بعضنا، وبيننا وبين الشارع
ثم انتقل إلى حواف الشارع، ماذا تقدم باستثناء شارع شهير بالمقاهي المكررة والمطاعم المكررة أو شارع للمشاة، شارع فقير ومخترق بالأخطاء من جانبيه
ماذا قدّمت أمانات المدن، ولماذا هذه الفوضى وحالة الاحتقان، ماذا ينقصنا وماذا اكتمل منّا لحياة بسيطة وهادئة نحترمها ويحترمها سلوكنا فيها ومع الآخرين؟التفاصيل المحشوة بالـ «نكد» في الشارع السعودي تبدأ من عتبة الباب وتنتهي عندها بين طريقي الذهاب والعودة، وخذ ما يمكنك أخذه من الجهات المسؤولة عن هذه المعركة
هذه ليست وجهة «نظر» نكدية تعبّر عن حالة عدم الرضا، حتى وإن كان المسؤول يعتقد أننا «مساكين» وعيننا تلاحق عورات الخدمات المقدمة لنا، هذه حياة يومية لملايين البشر الذين يتنقلون وفوق أكتاف كل واحد منهم عشرات المسؤوليات، التي من ضمنها وربما من أهمها مسؤوليته الوطنية من أجل حياة المجتمع وحقوقه ووجوهه ووجوده ومسؤولياته وواجباته
نتائج حوادث المرور التي تبلغ في السعودية ما يقارب 5000 قتيل وأكثر من 100 ألف مصاب، ليست هي الموضوع، فنحن هنا لسنا استثناء من التقرير الذي صنّف الدول العربية على أنها الأعلى في حوادث المرور
المشكلة الرئيسة التي يناقشها التقرير العربي والتي جاء من ضمنها أن ما يقارب 70% من الحوادث، نتيجة أخطاء شخصية في القيادة، قد لا تكون موضوعا يمكن مناقشته رغم أهميته، السؤال لماذا ارتكبت هذه الأخطاء؟ وما الأسباب التي ساعدت في تزايد هذه النسبة؟ وكيف هي أخلاقيات الشارع فيما يتعلّق بالسلوك اليومي؟لندخل في صلب الأمر، هل وقوف السيارات يناسب حركة المرور؟ هل توزيع حاويات النفايات وأماكنها وطريقة تفريغها وإعادتها في الشوارع يناسب اتساعها؟ هل يراعي تصميم الشوارع سهولة حركة المرور؟ هل نعاقب على المخالفات المرورية التي ترتكب عند المنعطفات؟ هل صممت الشوارع بطريقة مناسبة لنحترمها؟ هل يوجد شارع لا توجد فيه عشرات الشركات التي تعمل وتحوله إلى مزبلة مضاعفة؟ هل يمكن اعتبار كل هذا مسببا لعدم احترامنا لاستخدامها وسلوكنا فيها مع بعضنا بعضا ومع الجهات التي رمتها على عواتقنا وتركتنا للعراء؟أن نصل لحالة عظيمة من الزهد في الحقوق فهذا لا يعني أننا انتزعناها أو أننا حصلنا عليها، لكنها حالة من فقدان الأمل، حالة الفقد هذه جعلت كل واحد منّا حالة استثنائية وخاصة تبحث عن خلاصها بنفسها ولن تجد أسهل من الطريقة التي صرنا نرتكبها بصفتها السلوك الوحيد اللائق لتلافي الضمير ووخزاته
القاعدة الرئيسة التي صارت تثبت نفسها بنفسها، أنك لم تعد شريكا، وأن الآخر لا يعنيك بما أنه لا يعني أي جهة أهملت هذه الفوضى وتركتنا لمعركة تحولت مع الوقت إلى معركة شخصية
خذوا غياب المرور، وغياب التخطيط وغياب المسؤولية الأخلاقية تجاه الشارع والجار والرصيف والأمكنة كلها حتى المتنزهات البريّة
لم يعد هناك أحد على استعداد أن يقوم بواجبه الأخلاقي من أجل أحد، بل حتى أحيانا من أجل نفسه، وعلى الجميع أن ينتظر حلولا مقترحة، حلولا تنظيمية وقانونية لا حلولا أخلاقية
حالة الاحتقان المتراكمة ضيّقت كل الحلول، وأوصلتنا إلى أشخاص «عصابيين»، لكننا لن نعترف بأننا كذلك حتى يعترف المسؤول أننا نعيش حالة إهمال، والخشية أن يتحول الأمر إلى مجمعات من الموتى والكوارث اليومية التي تخطف منك الطريق وتخرج لك أصابعها من النافذة!