جدد مثقفون ومبدعون مطالبتهم بتنظيم مشروع تفريغ إبداعي يقدم معينات حقيقية وواقعية للمثقف، حتى يفيض إنتاجا في المشهد الثقافي، مشيرين إلى أن ما يتعرض له المثقف من ضغوط عملية يحجب إبداعه، ما يشكل مصدر خطر على الحركة الثقافية
ودعا المثقفون إلى انتهاج نظام احتراف ثقافي، أسوة بما يحدث في المجال الرياضي، حيث يجد المحترفون كل الضمانات والأساسيات التي تجعلهم يقدمون عطاء وافرا، ينبغي أن يعادله عطاء ثقافي يحقق كثيرا من المكاسب على الصعيدين الثقافي والاجتماعي.


مخيلة متعبة

المسرحي عبدالعزيز عسيري، يقول إن تفرغ المبدعين حلم الكثيرين منهم، فهو يحقق لهم الفرصة الحقيقية لإيلاء عملهم الإبداعي الاهتمام المستحق، ويرفع عنهم كثيرا من الضغوطات، ما يضع المبدع في مواجهة متكافئة مع الزمن والظروف المحيطة به، ويجعله قادرا على استنهاض مخيلته المتعبة حينا والمقهورة حينا آخر

قيمة إبداعية

من ناحيته، يرى الشاعر والكاتب عبدالعزيز الشريف، أنه من المهم جدا تفرغ المبدع للإبداع فقط، لتحقيق الإنتاجية الإبداعية المطلوبة، مضيفا: أتحسر على المثقف العاجز عن المشاركة في فعالية، أو تظاهرة ثقافية، بسبب عدم السماح له بالحضور والمساهمة فيها، ما قيمة المثقف الذي يعيش تحت ضغط عمله الرئيس؟ الذي قد يكون بعيدا عن فنه واهتماماته الإبداعية ونتاجه الأدبي، ما قيمة المثقف، وهو يرى منافذ الثقافة تدار في مفاصلها ولجانها بأشخاص بعيدين عن الهم الثقافي، ويعملون بفكر الموظف الغلبان، الذي لا يميز بين إبداع ودفتر حضور وانصراف، طالبنا منذ سنوات طوال بأهمية تفرغ المثقف كنوع من التكريم أولا ولرفع قيمة نتاجه الإبداعي بشكل قوي وجاد ومركز
ويستطرد الشريف: وزارة الثقافة، والأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، بحاجة إلى مجهودات المبدع في رسم الحراك الأدبي، وإذا كان لا بد من عمل المبدع فأقلها أن يعمل في ما يناسبه، ولذلك نكرر وندعو إلى أهمية تفرغ المبدع، لأن المثقف الفنان يتحول إلى قيمة معرفية وإبداعية مهما تقدم به العمر، والوطن بحاجته معززا مكرما منتجا للإبداع، وهو أكثر هدوءا وشعورا بالاستقرار النفسي والأمان الفكري

غريب في المجتمع

ويؤكد المخرج السينمائي، عقيل الخميس على أهمية التفرغ، ويقول "إن الأهم من وجهة نظره أن يكون الإبداع متوازيا ومشتقا من ضوضاء الحياة، ويرى أن الإبداع كحالة لا تحتاج بالضرورة لتفرغ، والأمثلة في تاريخ البشرية كثيرة وتثبت أن المبدعين كانوا صناعا للحياة، ومهم جدا أن نعي ونفرق بين الاعتراف بالمبدعين، وخلق الفرص والمساحات لهم وبين مصطلح التفرغ التام"
ويضيف الخميس، الذي تم قبوله بعد جهد جهيد لدراسة السينما في أمريكا، أن السؤال الأهم ما الفائدة التي سنجنيها من خلال تفريغ المبدع في منطقتنا ومجتمعنا ليدير ظهره غريبا بلا مكان وهوية ينتمي إليها؟ ودون مدارس يصقل فيها موهبته وإبداعه، يبقى بصيص الضوء اللامع في نهاية النفق المظلم الأمل الذي طالما تأملنا فيه كقصة ترويها الأم وهي الوطن لأولادها وهم المبدعون

احتراف ثقافي

ويقول الكاتب والشاعر الفلسطيني، خالد شحانيت: لكي تنهض الأمة لا بد من مكانة للمبدع فيها، وهذا يتطلب جهود الجهات كافة، منها الدولة والمجتمع المحلي ورجال الأعمال، والتجمعات النقابية، والمبدع بحاجة للاطلاع على ثقافات أخرى، لكي يبدأ من حيث انتهى الآخرون، وعليه أن يقوم بتحسس أماكن الإبداع، ومتطلبات الأمة سواء كانت ثقافية أو علمية، ولذلك لا بد من تفريغه، حتى يرسم أحلى صورة إبداعية لما يبحث عنه
ويؤكد نبيل زارع، أنه من المطالبين بأن يكون هناك مشروع احتراف ثقافي، بحيث يتفرغ المبدع للعمل الأدبي، لأنه هو الذي سيمثل الوطن ثقافيا، ويرى أنه لو تم تفريغ المبدع فلن تسمع بعد ذلك بأنه باع مكتبته مثلا من أجل ضائقة معيشية
ويتساءل محسن الزاهر لم لا يفرغ المبدع، إذا كان مقبلا على عمل إبداعي، يتطلب وقتا طويلا وصفاء ذهنيا؟ ويضرب مثالا بقاسم حداد في كتابه "طرفة بن الوردة"
من جهتها، تقول القاصة مسعدة، ليس المهم تفريغ المبدع، المهم هل هناك دعائم سيقوم المبدع بتشييدها لتكون العملية فعلية لا مجرد كلام؟ والسؤال الكبير متى يكون هناك صناع مبدعون في مجتمع المثقفين المخضرمين، فالأندية الأدبية مثلا تأخذ نتاجا أدبيا، لكنها لا تصنع مبدعين، لذلك يظل المبدع يتيما في مهب الريح