تسعى المخرجة آيتن أمين في فيلمها الروائي الطويل «فيلا 69» إلى تقديم تجربة سينمائية خاصة، فهي تحول بساطة وألفة الحياة اليومية في فيلا مغلقة إلى مواقف وحالات مترعة بالبعد الوجداني، وبتفاصيل أغنية تجعل المشاهد يشعر برحابة فضاء هذا العمل الذي صور الجزء الأكبر منه بين جدران إحدى الفيلات
الفيلم يتمحور حول حكاية المهندس المعماري «حسين» «يؤدي دوره خالد أبو النجا» الذي يعاني من المرض، ويواظب على العلاج، ويعيش في عزلة عن العالم الخارجي، ولا يكاد يتحمل وجود أي شخص يعكر صفو أيامه التي تسير برتابة
هو عاد إلى مصر بعد سنوات قضاها في باريس ليستقر في هذه الفيلا التي تحمل الرقم 69، والتي تسير الحياة فيها وفق إيقاع ممل ورتيب، لا تكسره سوى زيارات الممرضة المتكررة التي تعالج المهندس المريض، والتي تعاني بدورها من قمع المجتمع ومن عنف أخيها بسبب خلافات على الميراث
لا شيء يتبدل في هذا النظام المضبوط والصارم للفيلا، إلى أن تأتي شقيقة المهندس المعماري «نادرة» «تؤدي دورها لبلبة» لتنقلب الأحوال رأسا على عقب، وتبدأ الحبكة الدرامية بالتصاعد والتعقيد، فهي ستضطر إلى المكوث في فيلا شقيقها إلى أن ينتهي العمال من صيانة شقتها، وبذلك يضطر المهندس إلى تغيير إيقاع حياته عبر الدخول في مماحكات يومية مع شقيقته التي قلبت مفكرة أيامه، وأخرجته من عزلته قسرا
شريط الفيلم يستعرض العالم الجديد للمهندس المعماري الذي يعشق صوت عبدالوهاب وأم كلثوم، وهو متصالح مع واقعه البسيط، ورغم التحول المفاجئ الذي طرأ على أسلوب حياته، إلا أنه سرعان ما ينسجم مع الإيقاع الجديد ويكتشف جماليات الحياة الصغيرة ويبدو المشهد الأخير في الفيلم معبرا عن هذه النزعة، إذ يطلب حسين أن يقوم بجولة في شوارع القاهرة بالسيارة التي ركنها جانبا منذ سنوات، وهو ما يتحقق له، لتخرج الكاميرا وللمرة الأولى إلى شوارع العاصمة المصرية الفسيحة في رمزية تشير إلى التخلص من العزلة والقمع والتقوقع
ها هو الرجل الخمسيني، الذي ألف العيش بين الجدران، يخرج إلى هواء الحرية مارا في رحلة تمتد من موقع الفيلا إلى كوبري قصر النيل، ثم ميدان التحرير والشوارع الجانبية لمنطقة وسط البلد التي تزين جوانبها شعارات الثورة في دلالة إلى استمرارية الحياة، والتوق إلى الانعتاق والخلاص
وبدت المخرجة متمكنة من إنجاز عملها سواء في إدارة الممثلين أو عبر الجمل والحوارات التي تأتي على لسان الشخصيات، أو من خلال سعيها إلى تحويل كل ما هو عادي وبسيط إلى لوحة بصرية غنية بالحركة والدفء، من دون أن تغفل تلك المسحة الكوميدية الخفيفة التي تضفي على الشريط المزيد من الجاذبية
السيناريو، الذي وضعه محمد الحاج، جاء، بدوره، غنيا بالتفاصيل وقدم صورة وافية عن شخصية بطل الفيلم، فضلا عن قدرة النص على إظهار خصوصية المكان وتفاصيله التي التقطتها الكاميرا بحرفية عبر التركيز على محتويات الفيلا من لوحات واكسسوارات وأثاث وصولا إلى الانتقالات المونتاجية الرشيقة التي تنتقل من أصيص الزهور إلى وجوه الشخصيات إلى الشرفة التي تطل على مساحات خضراء في محاولة للقول إن جمال الحياة هناك؛ خارج هذه الفيلا التي حبس البطل نفسه فيها
"فيلا 69" للمخرجة آيتن أمين.. تجربة سينمائية خاصة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
