في يوم من الأيام، منذ نحو 66 مليون سنة - وكان ذلك في يونيو أو يوليو إذا كان العلماء قد فسروا آثار طبقة غبار اللقاح المتحجرة التي كانت تغطي الحشرات بشكل دقيق - سقط كويكب فضائي يبلغ حمه أكبر من حجم مانهاتن الأمريكية على كوكب الأرض بقوة هائلة
وكان ذلك في منطقة معروفة الآن باسم تشيكسولوب في شبه جزيرة يوكوتوان في المكسيك، كانت سرعة الكويكب الفضائي لدى ارتطامه بالأرض نحو 45 ألف ميل في الساعة، وكانت القوة التي أصاب بها الأرض تعادل أكثر من 100 مليون ميجا طن من متفجرات الـ”تي إن تي”، أو بمعدل 1500 ضعف إجمالي الترسانة النووية الموجودة في العالم حاليا
وأرسل ذلك الاصطدام الهائل طبقة ضخمة من الغيوم المحملة بأبخرة حارقة على مسافات آلاف الأميال في جميع الاتجاهات، وتسببت بإطلاق صخور مفتتة يبلغ حجمها 50 ضعفا حجم الجرم عاليا إلى السماء، وهذه الأجزاء الصخرية الصغيرة المفتتة الملتهبة رفعت درجة حرارة الغلاف الجوي بالكامل إلى مئات الدرجات المئوية، الأمر الذي أدى إلى مقتل كل شيء تقريبا غير محمي بالتربة أو الصخور أو المياه العميقة
عودة الانتعاش
كثير من العلماء يعتقدون أن نحو ثلاثة أرباع الحيوانات، بما في ذلك الزواحف المجنحة “بتروصورس” انقرضت، نتيجة لذلك، احتاج الأمر إلى ملايين السنين حتى استطاعت الحياة أن تنتعش مرة أخرى وتتجاوز تنوعها السابق، هذه المرة مع مجموعة جديدة من أنواع المخلوقات الحية التي كان من بينها الإنسان الأول
هذا الحدث معروف علميا باسم الانقراض الباليوجيني – الطباشيري، ويعد واحدا من خمس حوادث انقراض جماعية شهدها كوكب الأرض على مدى الـ500 مليون سنة الماضية تقريبا، حيث يعرف العلماء الانقراض الجماعي بأنه حدث يتم فيه القضاء على جزء هام من الحياة في زمن قصير من الناحية الجيولوجية
بصمة تشيكسولو
بللوهلة الأولى، قد تبدو بصمة البشرية الصناعية على المحيط الحيوي صغيرة مقارنة مع البصمة التي تركها كويكب تشيكسولوب
الكمية الإضافية من الحرارة إلى المحيطات في العالم والناتجة عن الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتي تصدر بدورها عن احتراق الوقود الأحفوري، على سبيل المثال، تعادل انفجار أربع قنابل نووية تقريبا فقط، أو اقل من عُشر “واحد من عشرة” ميجا طن في الثانية
لكن الوهلة الأولى تكون أحيانا مضللة، البشر يؤثرون على نظام الأرض بطرق عدة، وهم يفعلون ذلك في كل لحظة على مدى عشرات العقود والقرون
قد لا يبدو للأمر أهمية بالغة بالنسبة لنا كأفراد عاديين، وربما نعتقد أن تلك قضية تتم خلال فترة طويلة وبشكل متقطع، ولكن مقارنة مع عمليات طبيعية عدة، فإن هذا يتم بشكل فوري ولحظي تقريبا
ربما سوف يتبين فيما بعد أن التحول الحالي يشبه إلى حد كبير نهاية مرحلة الانقراض الجماعي الثالث الذي حصل منذ 252 مليون سنة، والتي تسمى الانقراض البرمي، والذي يعتقد أن سبب حدوثه انطلاقات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى المحيط الجوي، واستمر كل منها لعقود عدة فقط، ولكنها مع بعضها بعضا نتج عنها موت نحو 95 % من أشكال الحياة المتعددة على وجه كوكب الأرض
ومع أن هناك كثيرا من الأمور التي لا زال العلماء غير واثقين تماما من طريقة حدوثها، إلا أن ما لا شك فيه أن هناك شيئا كبيرا يجري حاليا
أفضل التقديرات تشير إلى أن الأرض تخسر أنواعا حية بسرعة كبيرة تبلغ أضعاف المعدل الطبيعي، ويقول العلماء إن من الطبيعي أن تنقرض أنواع عدة كل عام في الوقت الذي تتطور فيه أنواع جديدة، بل إن بعض العلماء يعتقدون أن ما بين 30% إلى 50 % من الأنواع الحية الموجودة على سطح الأرض سوف تنقرض وظيفيا بحلول 2050
المأزق الذي يمر به العالم غير البشري ألهم الكثير من العلوم الشعبية على مدى السنوات العشرين الماضية تقريبا، ولكن مع تكاثر حالات الانقراض والاكتشافات الجديدة، هناك حاجة إلى دراسات جديدة تتعمق أكثر في هذا الموضوع الحيوي الهام
والكتاب الذي بين أيدينا الـ”الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي”، والذي كتبته إليزابيث كولبيرت، يقدم لقطات متناسقة ومرتبة من التاريخ، النظريات، والملاحظات العلمية التي سوف تكون مادة شيقة وممتعة ومفيدة لجميع أنواع القراء
الكتاب: الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعيThe Sixth Extinction: An Unnatural Historyالكاتب: إليزابيث كولبيرت Elizabeth Kolbertالناشر: هنري هولت، فبراير 2014
=========================
سجل ورقة السيجارة وضفدعة ذهبية
تبدأ إليزابيث كولبيرت كتاب “الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي”، بزيارة إلى محطة أبحاث علمية في كوستا ريكا، حيث يقوم الباحثون بتوثيق اختفاء الضفدعة الذهبية (اسمها العلمي أتيلوبوس زيتيكي)
الحيوانات البرمائية، وهو النوع الذي يشمل الضفادع، هي أكثر أنواع الحيوانات المهددة بالانقراض في العالم، حيث يبلغ معدل الانقراض بين هذا النوع نحو 45 ألف ضعف المعدل الطبيعي
وإضافة إلى العوامل مثل خسارة مواطن الحياة الطبيعية، هناك نوع من الفطريات وحيدة الخلية، والتي ينشرها الإنسان دون قصد وهي قاتلة لكثير من البرمائيات، يعتقد أنها هي السبب في ذلك
كارثة عظيمةثم يتحول الكتاب إلى تطور الانقراض كفكرة، وكيف أنه غير الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة بشكل عام
في هذا الجزء، تتحدث الكاتبة عن ظاهرة تم اكتشافها في القرن التاسع عشر، واكتشفها العالم جورجس كوفير، الخبير بعلوم التشريح، والذي اكتشف أن الأسنان والعظام الضخمة التي تم اكتشافها في مواقع -هي حاليا أوهايو- لم تكن تعود لفيلة، ولكن لوحوش غير معروفة حتى اليوم
حيوان الموستودون، وهو حيوان منقرض شبيه بالفيل، وحيوانات عملاقة أخرى مرت على طاولة التشريح في مختبره كانت قد عاشت “عالما جاء قبل عالمنا”، والتي يعتقد العالم كوفير أنها ماتت في كارثة عظيمة
تضارب الانقراضومع أن كثيرا من العلماء لم يوافقوا في البداية على ما ذهب إليه كوفير في نظرياته حول الانقراض، ورفض الكثير منهم نظرية أن كويكبا تسبب بانقراض جماعي، إلا أن الثمانينيات من القرن العشرين شهدت ولادة نظرية، جاء بها لويس ووالتر الفاريز، أكدت أن جرما سماويا ضخما تسبب في انقراض جماعي في نهاية العصر الطباشيري، وهناك قبول عام تقريبا للنظرية بين العلماء
وقد وافق علماء الحفريات فيما بعد على أن الحياة كانت تتميز بفترات طويلة من الاستقرار، ولكنها كانت أحيانا تتعرض للمقاطعة بسبب أحداث غير عادية تسبب الاضطراب
ورقة سيجارةوفي نهاية جولتها التاريخية، تسلط الكاتبة نظرة على المستقبل البعيد
يقول جان زالاسيوتش، وهو عالم حفريات في جامعة ليستر، إنه رغم أن عصرنا سيترك سجلا بسيطا وعرضيا في التاريخ الجيولوجي لا يتعدى سماكة ورقة السيجارة، إلا أن أثره سيكون عظيما
الكتاب يتميز بحيوية ممتعة، ربما لأن الكاتبة تتمتع بحس صحافي مبدع وتعرف كيف تشد القارئ
هناك الكثير من النقاشات المفيدة حول ظاهرة تحمض المحيطات التي بدأت من آثار يمكن ملاحظتها بشكل مباشر على شواطئ إيطاليا، وعن مصير الأشكال المرجانية في منطقة “الحاجز المرجاني العظيم”، وحول مدى قدرة الغابات الاستوائية في البيرو على التأقلم مع التغيرات السريعة، وحول تجزئة وانقسام المواطن الطبيعية في حوض الأمازون وما وراءه، وحول نتائج الانتقال العالمي الشامل لأنواع حية من مكان إلى آخر
كل المعلومات والنقاشات تؤدي مع الأسف، إلى نتيجة قاتمة
=========================
الإنسان ومصير التطور
في نهايات كتاب “الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي”، تقول الكاتبة إليزابيث كولبيرت: نحن نقرر، دون أن نقصد ذلك، أي طرق التطور تبقى مفتوحة وأيها لا تبقى
وبالفعل، فإن الإنسان لا يعرف أن له علاقة، بشكل أو بآخر، في تقرير مثل تلك النتيجة
في حقيقة الأمر، يبدو أن بعض أكثر القرارات أهمية في تاريخ البشرية يتم اتخاذها من قبل أولئك الأشخاص الذين يتقاضون مئات الملايين من الدولارات ليضمنوا بقاء الناس جاهلين حقيقة التطورات التي تشهدها قضية الاحتباس الحراري والتغير المناخي
هؤلاء الأشخاص يمنعون أي تحرك باتجاه الاقتصاد الأخضر الذي لا يؤذي البيئة ويحفظها سليمة للأجيال القادمة
أزمة الاقتراض كبيرة جدا ومعقدة جدا لدرجة أن العقل يرفضها أحيانا
ويعتقد الناشطون أن البشرية بشكل عام بحاجة إلى ما هو أكثر من التفكير الخيالي حول الخيارات المتاحة لنا بشكل فعلي وما سوف يأتي في المستقبل
نحن بحاجة لقدرات إبداعية حقيقية
والأهم من ذلك، إحدى أهم النقاط التي يطرحها هذا الكتاب، هي أن الإنسان لا يعيش وحده على كوكب الأرض، بل يشترك مع آلاف المخلوقات والأنواع الأخرى
لكن الإنسان هو وحده الذي يملك قرار تغيير مستقبل كوكب الأرض إلى الأفضل أو الأسوأ
وحري بالإنسان أن يكون أكثر تعاطفا مع تلك الأنواع التي لا تملك شيئا من القرار في تقرير مصيرها.

