في رسالة علمية تعد الأولى من نوعها على مستوى المملكة، تناولت التعصب الرياضي من منظور اجتماعي وإعلامي أعدها الباحث الاجتماعي “خالد الدوس” ونال على ضوئها درجة الماجستير من جامعة الملك سعود بقسم الدراسات الاجتماعية، كشفت معطيات هذه الدراسة السوسيولوجية الميدانية أن للتعصب الرياضي تأثيرا مباشرا على سلوك ووعي وثقافة الفرد والأسرة والمجتمع بشكل عام، وتظهر تداعياتها ومخاطرها المجتمعية في تأجيج الرأي العام الرياضي وما يفرزه من مشاحنات تصادمية وانقسامات خطيرة وغوغائية واحتقان في النسق الرياضي وتجاوزات مناهضة لقواعد الضبط الاجتماعي والقيمي والديني من سب وشتم وقذف علاوة على شيوع ثقافة الإقصاء الفكري ونشر العبارات العنصرية وهتافاتها المسيئة في الملاعب الرياضية وسلوكيات شاذة ربما تزيد من حدة الكراهية، وبالتالي تهديد الوحدة الوطنية بين أبناء البلد الواحد إذا اتسعت دائرتها المظلمة، وأظهرت نتائجها البحثية أن 54 % من أفراد العينة يرون أن “الإعلام الرياضي” العامل الرئيس والأكثر تأثيرا في التعصب الرياضي، كما أظهرت أن التعصب موجود بدرجة عالية لدى كل من الجمهور والإعلاميين، وبدرجة متوسطة لدى الإداريين، كما يرى أفراد العينة أن قرارات الحكام الخاطئة دائما ما تؤدي إلى زيادة التعصب الرياضي لدى المشجعين، كما أوضحت النتائج أن غياب “الوعي” في النسق الرياضي أسهم بدرجة كبيرة في زيادة التعصب الرياضي، وأن الأسرة والمدرسة تسهمان بدرجة متوسطة في ظهور التعصب، فيما يرون كذلك أن ضعف الدور الرقابي الإعلامي يؤدي إلى زيادة مساحة التعصب، كما كشفت الدراسة أن أكثر الآثار السلبية الناجمة عن التعصب الرياضي هي الكراهية ومفرداتها التي تتنافى مع السياق التربوي والقيمي

آثار سلبية

وأكد الباحث الاجتماعي خالد الدوس أن للتعصب الرياضي آثارا اجتماعية وأمنية واقتصادية ونفسية سلبية، وتكمن خطورة هذا المرض السرطاني على المجتمع بوجه عام أنه يعيق البناء الاجتماعي ومكوناته من أداء وظائفه الاجتماعية والثقافية والتربوية والاقتصادية، إذا اتسعت دائرته المظلمة وانتشرت فيروساته المدمرة للفكر والقيم، في النسق الرياضي، مشيرا إلى أن التعصب الرياضي يسهم في إنتاج أنماط من السلوك الشاذ، والعلاقات غير السوية وزرع بذور الكراهية والبغضاء بين أفراد المجتمع، مشددا على أهمية الاهتمام العلمي بهذه الظاهرة المجتمعية الخطيرة للحد من انتشارها وضبط توازنها قبل أن تتسع مساحتها فتلقي بظلالها على المجتمع السعودي الفتي الذي يعيش في واقعه المعاصر مرحلة شبابه باعتبار أن نحو 65 % من تركيبته الديموغرافية “السكانية” تمثلها الفئة الشبابية

ثوابت شرعية

وطالب الدوس بالتصدي لما سماه المرض النفسي الاجتماعي من خلال تفعيل الدور الرقابي من المؤسسات والهيئات المدنية المعنية على ما يبث ويكتب دون الإجحاف بحق التعبير بعد أن أصبح بعض ما يفرزه الإعلام الرياضي وقنواته ووسائله من مشاهد وأطروحات خطيرة تؤثر على ثقافة وسلوكيات ووعي المجتمع من جهة وتتنافى مع منطلقات ثوابتنا الشرعية والوطنية من جهة أخرى، وإدراج آفة التعصب والانتماء الرياضي في المناهج التعليمية، وبرامج التوعية الفكرية والرياضية بالمدارس، وعقد ندوات ثقافية داخل المناخ المدرسي لتنوير عقول الطلاب بمخاطر وآثار التعصب الرياضي على البناء الاجتماعي ووظائفه المختلفة، وأيضا وضع حد للتجاوزات الإعلامية المهيجة للجمهور في الصحف والمواقع الالكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي بالتعاون مع وزارة الداخلية، ووزارة الثقافة والإعلام، والمؤسسات المعنية وذلك بسن قوانين صارمة لمحاسبة من يتسبب في أي مظهر من مظاهر التعصب الرياضي، وكذلك زيادة تأهيل الإعلاميين الرياضيين من خلال عقد المزيد من الدورات التدريبية والملتقيات التنويرية وورش العمل المهنية حول موضوعية التعبير والكتابة الصحفية والطرح المتزن، بهدف البعد عن التعصب الرياضي وعدم إثارة الرأي العام الرياضي وتأجيجه كما ينبغي رفع المستوى الثقافي للوسط الرياضي من خلال الجهود المشتركة التي ترمي إلى محاربة التعصب وإرهاصاته تشارك فيها مع الرئاسة العامة لرعاية الشباب ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية والطبقة المثقفة

مناهج علمية

وشدد الدوس في دراسته على أهمية دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في البناء التربوي والثقافي والقيمي وتشكيل الوعي المجتمعي، وأخيرا إجراء مزيد من الأبحاث الاجتماعية لدراسة أسباب التعصب الرياضي وآثاره المجتمعية، واستخدام المناهج العلمية في البحث الاجتماعي الرياضي عن أهم العوامل المؤدية إلى التعصب الرياضي، وإيجاد الحلول العلمية الرصينة لمحاربة ومكافحة هذا المرض الفكري الخطير وضبط إرهاصاته