لو سلمنا بوجود ما يسمى بالجمود الفقهي في العصور الماضية، فإن جمودا فقهيا من نوع جديد يظهر في هذا العصر بثياب اسمها (تجديد الفقه الإسلامي)، وهي الدعوة التي نسمعها في هذا العصر من كل أحد حتى من غير أهل الفقه، ومن كل اتجاه حتى من غير المسلمين
لا أحد يدرك معنى كلمة التجديد الفقهي إلا من كان من أهل الفقه والعلم بالتراث الثقافي لهذه الأمة منذ القرن الأول وحتى الآن
وهناك من ينتسبون إلى الفقه والعلم ولا يدركون حقيقة هذه الكلمة لضعف اطلاعهم وقلة بضاعتهم من أصل هذا العلم ومعطياته
الجمود الفقهي ليس في إغلاق الاجتهاد، لأن إغلاق الاجتهاد أمر وهمي غير واقعي حتى في الفترات التي يزعم الزاعمون أن الفقه أصيب فيها بالجمود
ولم يزل العلماء في جميع القرون يجتهدون ويتعاملون مع النوازل بالطريقة المناسبة للظروف القائمة
قد نتفق على قلة العلماء في زمن ما، أو على هروب العلماء من واقع ما، أو نتفق على دخول العلماء تحت طائلة القهر والظلم من استبداد ظالم أو قهر محتل، أما أن الاجتهاد يتوقف فهي دعوى تتساوى مع دعوى ترك الناس للطعام أو للشراب
والقضية التي تثار من وقت لآخر هي قضية انعدام الزمان من مجتهد مطلق كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأمثالهم، وتربط بها مسألة الجمود الفقهي وإغلاق باب الاجتهاد، وهو ربط غير صحيح، والحديث أوسع من أن يذكر في مثل هذه المقالة، إلا أنني أشير إلى أمرين: أحدهما أن العلماء رضي الله عنهم قد يمنعون الاجتهاد في زمن ما لانتشار الفوضى وضعف المنتسبين إلى العلم، كما هو الحال الآن من ظهور وعاظ يظنهم الناس علماء فيأخذون بأقوالهم على شذوذها وخطلها، وينتشر العمل بها، فينتج عنها سفك للدماء، وانتهاك للأعراض، أو فتاوى تتلاعب بالشريعة، وأمثال هذه الظروف، ويقصرونه على نخبة محددة من أهل العلم الموثوق بهم
على غرار قولهم لا يفتى ومالك في المدينة، رغم وجود أقران لمالك وقرب العهد من الصحابة
وثانيهما أن الاجتهاد المطلق ليس منطلقا لترك الميراث الفقهي الهائل، واعتباره مرحلة مختلفة في الفهم والظروف
ولا يقول بهذا من له عقل
ومن وقت لآخر تظهر نابتة تستغل هذه القضية لضرب التراث الفقهي للإسلام خدمة لأغراض مذهبية أو سياسية تحت مسمى التجديد أو الكتاب والسنة، كما أن المذاهب المعتمدة لا تتعلق بأئمتها تعلقا كليا، لأن كل مذهب امتد أكثر من ألف ومئتي عام، تناوب عليه الأكابر تصحيحا وتدقيقا، وإضافة وتحقيقا، وتفريعا وتوثيقا، ومقاربة وتوفيقا
والمجتهد مهما بلغ في الاجتهاد لا يستطيع أن يخرج من دائرة السابقين في جميع آلات العلم ومقدماته التي وضعوها لتقرير أحكام الشريعة، سواء في المنصوص عليها فهما وتفسيرا وتوفيقا، أو الاجتهادية المستنبطة، لأن وجوه الاستنباط في كل مسألة متناولة عند السلف قد استنفدت، إلا في النادر من المسائل، أو في طروء وجه جديد من الوجوه يساعد على استنباط جديد
يبقى الحديث عن المسائل المستجدة والنوازل المتكررة، وهو باب مفتوح أمام علماء كل عصر ولا يمكنهم التنصل من مسؤوليتهم نحوه، لأن المجتمع يرى ذلك مهمة واجبة في أعناق العلماء، ولا يتوقف إلحاحه على العلماء ليتخذوا رأيا أو يبينوا حقيقة
الإشكال أننا أمام جمود فقهي في ثياب تجديد
يكمن هذا الجمود في ضعف احترام الأمة لتراثها الفقهي، وهذا بفعل فاعل ولأسباب غامضة، قد يذهب بنا يوما إلى تعطيل التراث الفقهي والاعتماد على أقوال من لا يملكون إلا نصوصا تركب على كل معضلة دون عقول تعمل على تفكيك هذه المعضلات وتوائم بين النصوص وبين الأحداث بالمفاهيم التي أرادها النص
وها هي ظاهرة المفتين تنتشر في وسائل الإعلام وواقعنا العام ممن لا يملكون من آلات الفتوى ولا أهلية التصدر لها قليلا ولا كثيرا
وعلى الرغم من ذلك نرى علماء هذا العصر في المجامع الفقهية والمجالس العلمية والمجامع الدولية والمحلية ودوائر الإفتاء يرجعون في كثير من القضايا المستجدة إلى التراث الفقهي على كافة مذاهبه، فيجدون أصول كل مسألة قد بحثت أو أصلت أو أشير إليها
وعندما يقع الناس في حرج ويشعر العلماء بهذا الحرج الذي سببته فتوى متشددة أو رأي أحادي يضطرون إلى كتب السلف فيجدون المخارج المتنوعة التي تزيل الحرج وتنفيه
وقد رأينا فتاوى التجديد في الحج والبيوع والتأمينات والبنوك والدف والموسيقى وكشف وجه المرأة
وعشرات الفتاوى، كلها مسندة إلى أصولها عند السلف، وقد كانت قبل ذلك محرمة في واقعنا إلى درجة الكبائر، بل وجدت المجالس الإسلامية في أوروبا وسائر بلاد الغرب نفسها محتاجة إلى آراء لم تجدها إلا في كتب السلف والموسوعات الفقهية
يجب علينا حماية تراثنا الفقهي الممتد، وحماية نتاج تلك العقول العبقرية من الاندثار والتهميش، ففيها من السعة والمرونة والدقة والشمول ما ليس في هذا العصر منه نسبة تذكر
ولا يزال أغلب علماء هذا العصر عاجزين عن فك كثير من رموز علماء اللغة والأصول والفقه والتفسير والفلسفة وعلم الكلام، ولا يوجد عالم يستحق هذا اللقب وهذه المرتبة لا ينظر إلى علماء العصور الأولى ومن بعدهم نظرة التلميذ المبتدئ إلى العلامة الضليع
ونحن حتى الآن لم يظهر فينا مثل النعمان والشافعي والجاحظ والنظام وسيبويه والباقلاني والغزالي والرازي وابن حزم وابن رشد وابن سينا وابن قدامة و ابن خلدون، بل يرى كبار المفكرين في هذا العصر أن القرن الخامس كان نهاية المبتكرين والعباقرة، بغض النظر عن الحفاظ والنقلة، عدا ابن خلدون الذي استطاع أن يأتي بمقدمته البارعة
لماذا نخفي تراثا مليئا بالتعددية والتسامح والعبقرية؟ امتلأ بالفكر ودقة النظر، ومتانة الآراء، وروعة الاستنباط ، وقوة الإقناع، مع الدليل وصدق المرجعية
أيها العلماء!أطلقوا التراث من قمقمه إن كنتم تدركون قيمة هذا التراث، ثم انظروا ماذا سيفعل في نهضة الواقع، وكفى انتقائية تنتقص التراث وتسلبه روح الحياة
الجمود الفقهي في ثياب التجديد
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
