العنوان أو المقولة أعلاه إضافة إلى (نحن ضحية مبالغات الإعلام)، و(بعض الزملاء السابقين يريدون إسقاطي) هي إذا أردنا الدقة تصريحات لرئيس لجنة الحكام في الاتحاد السعودي لكرة القدم، وإذا أردنا الصدق فهي تصريح معتاد لكل مسؤول عربي
عمر المهنا لم يكن أكثر من ناطق باسم النسق بشكل مباشر وصريح (تم تنبيهي أن أكون جاداً كوني كاتب رأي، وسأحاول أن أكون كذلك)، فلو أردنا ترتيب المقولات أعلاه لكانت الصياغة كالتالي (الاستقالة جُبن وليست مسؤولية
الإعلام -نظرية المؤامرة- يتجنّى لأهداف أُخرى، الزملاء السابقون ممتلئون بالحسد لأنهم لم يصلوا إلى ما وصلت إليه)، لو تلاعبنا بالصياغة من جديد وقلنا من قائل هذه المقولات لوجدنا أن كل الأجوبة التي قالت اسما عربيا هي إجابات صحيحة، و»الاستقالة» هنا هي رمزية لأشياء كثيرة تؤدي للجُبن وخوارم المروءة في الذهن الجمعي العربي، فمن مرادفاتها الاعتذار، (لستُ جباناً لأعتذر) لا تأتي بهذه الصيغة لكنها تُمرر تحت خدع التورية والمجاز
سنستغني عن مفردة «استقالة» في هذه المقالة لأنها في أحسن أحوالها تأتي كما سبق إليها (المهنا) مرادفة للجُبن المفردة الأكثر بذاءة في الأخلاق العربية حيث العرب الأوائل قد تتجاوز عن كل صفة إلا (الجُبن) الذي لا يمكن أن يستساغ حتى لو كان (خيارا) استراتيجيا، ولنبقَ في دائرة الاعتذار، فهذه الكلمة تشبه كلمة الديموقراطية في العالم العربي حيث الكل يُطالب بها لكن في الحقيقة لا أحد يريد ممارستها عملياً، فالطفل منذ نشأته يعلّمه أبوه فضيلة الاعتذار، لكن الابن لم يرَ والده يوماً يعتذر، ليس له، فذلك أمر خارج نطاق الحلم، لكنه لم يره يعتذر على الإطلاق لأي أحد، حتى نشأت هذه الفكرة التي لفظها النسق في لحظة تجل وصدق غير مقصود (أنها قرينة الجُبن)، في المدرسة (الخطوة الثانية) يتكلم المعلّم (الذي أقنعه أحمد شوقي بأنه كاد أن يكون رسولا) عن فضيلة الاعتذار، وفي المحك الحقيقي والعملي للتجربة يُجبر المعلم الطالبين المختلفين أن يعتذر كل منهما للآخر بصيغة أمر حاسمة يشعران معها بأن الاعتذار بهذه الطريقة هو نوع من الإذلال، فتترسب فصول القناعة بأن الاعتذار هو نوع من الجُبن، في الإعلام عندما يطلب الاعتذار من شخص فإنه يتصبب عرقاً ويحاول أن يسبق كلمة الاعتذار بـ»رغم أنني لم أُخطئ» كي يوحي للمستمع بأنه يُمارس تسامحا عظيما، أو يُتبع الاعتذار بـ»لكن» ليوضح أنه لم يكن مخطئاً في محاولة مستميتة للدفاع عن «كرامته» التي سيهدرها الاعتذار ويجعل من صاحبها ضعيفاً في نظر المتلقي، والضعف هُنا جُبن مالح بالتأكيد!هذه المحاولات كلها تحصل بشكل لا واعٍ، وليس عن طريق المكابرة، فالوالد لا يخطئ بحق ابنه، ويكفي أن نعرف أنه (أعلم) منه بمئات السنين (أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة) فما (قد) يعتبره الابن خطأ من والده فهذا لا يعدو كونه قصورا في طريقة تفكير الولد، والمعلم الذي يمر مسرعاً فيتسبب بسقوط طالب صغير يحمد الله كثيراً على أنه تنبه مبكراً لانسياب حرف الألف بتلقائية على لسانه واستطاع أن يكظم (السين والفاء) قبل أن تمتهن (هيبته) وتتمرغ بوحل (الأسف) فيستعيد شخصيته الجادّة ويقطّب ملامحه طالباً من الطفل أن ينتبه في المرات القادمة مع دعوة لطيفة (بالعمى)، بالطبع لو (تمرد) الطالب وطلب من معلمه الاعتذار عن دعوته فسيكون (قليل أدب) وقد يُرغم على الاعتذار أمام زملائه (زيادة في الإذلال)، أما المسؤول فطلب الاعتذار منه يواجهه بابتسامة سخرية، ليس من الطلب نفسه، بل لغرابة الطلب، فالاعتذار يعني أنه أخطأ، وهل يُخطئ مسؤول؟ لو كان يخطئ لما اصطفاه رئيسه ليكون مسؤولاً، أو هكذا يظن!في الكتابة الصحفية عندما (يعتذر) لك الرقيب عن عدم إجازة المقال فلأنك السبب، إذ قد تكون معلوماتك خاطئة أو أسلوبك غير لائق، فالرقيب مسؤول أيضاً، لذا يستوجب أن تتقبل الكلمة بشكل إيجابي وتعتذر، فتصبح مفردة الاعتذار مرادفة للرفض على طريقة (خلاص آسف)!
(لستُ جباناً لأستقيل)!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
