تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صورة لشاب يرقد بأحد المستشفيات، وقد أصيب بكسور وكدمات متفرقة، بعد عراك مع أعضاء بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إثر رفضه تسليم جواله لهم.
هذه الحادثة التي وجه الرئيس العام للهيئات بالتحقيق فيها ليست الأولى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة في مسلسل تحقيق «الموظف الحكومي» العدالة بيده.
فبالأمس طارد منسوبو الهيئة اثنين من الشباب خلال احتفالهم باليوم الوطني، وفي محاولة لإنكار فعلهما تمت مطاردتهما وفق المعايير الجيمس بوندية، لتنتهي القصة بمأساة مقتل الشابين.
وفي مطار جدة يأبى موظف الجوازات إلا أن يؤدب مسافرا اعترض على تباطئه في إنجاز العمل، فقرر أن يمسح به أرض المطار.
وخلال موسم الحج يرفض عسكري أن يعود حاج لبلاده دون أن يترك بصمات يده على وجهه كتذكار، لأنه وقف بشكل خاطئ على جسر الطواف.
وفي الاستاد الرياضي قرر رجل أمن أن يجعل من مراهق اقتحم أرض الملعب، عبرة لكل من تسول له نفسه نهج مثل هذا السلوك لاحقا، فتسبب له بارتجاج في المخ بعد سيل من الركلات والرفسات.
لعل الأحداث السابقة، وغيرها كثير جدا، تعرفنا عليها لأن كاميرات جائلة نجحت في اصطيادها على غفلة من أبطالها، غير أنه لو دققنا قليلا فيما يحدث داخل المؤسسات الحكومية بعيدا عن عدسات الكاميرات، فإننا بالتأكيد سنرصد آلاف الاعتداءات اللفظية والسلوكية والإجرائية، التي يمارسها الموظف العام بحق المراجعين، وإن فكروا أن يتذمروا أو يعترضوا أو يتبرموا، فالويل والثبور وعظائم الأمور لهم ولمعاملاتهم.
الغريب أن هذه السلوكيات ليست حكرا على مجتمعنا «الملائكي»، ومن يملك شيئا من ثقافة ولغة تلك الشعوب «الكافرة» التي سبقتنا بسنوات ضوئية في عدم ترك الفرصة لـ«الموظف» بالتحكم في مصائر الناس، فإنه بالتأكيد سيجد بعد البحث في «يوتيوبهم» بعضا من هذه الممارسات المنفلتة.
الفرق بين ما عندنا وما عندهم، أن مسؤوليهم قطعوا الطريق على موظفيهم بالمراقبة البشرية والالكترونية، فلا تكاد ترى أي بقعة مساحية خالية من كاميرات المراقبة، وهي بالمناسبة ليست لصيد المخالف بقدر ما هي لمنعه عن ارتكاب المخالفة، فيما ترك مسؤولنا الأمر لـ«أخلاق ونزاهة» الموظف ومدى حبه أو نقمته على المجتمع.
المحير في الأمر أن المخالفات السابقة وغيرها كثير ممن وقف عليها المسؤول بالحسم أو النقل أو الفصل، إلا أنه لا زلنا نسمع ونرى إصرار بعض «الموظفين» على تأديب المواطنين بأيديهم. فهل السبب في ذلك هو ضعف العقوبة أم الاستهانة بالمسؤول أم إنها طبيعتنا العدوانية التي لا تفهم سوى لغة اليد؟
شخصيا أميل إلى الاحتمال الثالث، عطفا على ما نشاهده يوميا من حولنا، ومع هذا أرى أنه يمكن تحجيمها بالنظام، بدليل أن القطاعات الخاصة التي تراقب أفرادها عن كثب، لا ترى لديهم مثل هذا الانفلات، والسبب أنهم محكومون بقوانين وأنظمة غير التي تربى عليها موظف القطاع العام.. فهل وصلت الرسالة أم أوضح أكثر؟

 

[email protected]

alnowaisir@