كانت حِجَّة «سياحية» تلك التي حججتها ـ قبل التكليف ـ شاهدت بعينين صغيرتين موقعة ظلّت عالقة في ذهني تؤرقني وتمثل أمامي تفاصيلها في النهار، وتسلمني في الليل لكوابيس رهيبة.

حينما طرحت خراف الأضاحي بين يدي الجزار وبدأ في الذبح تناهب سكاكين طالبي اللحم أعضاء الضحية قبل أن تسلم روحها لبارئها يتسابقون على الفريسة.. هذا ينتزع كتفها وآخر فخذها وبقيّة أعضائها لا تزال «تُفرْفِص»!

ورأيت في الحارة كيف يتجمهر القوم على «السكران»، يتقاذفونه فيما بينهم بالكفوف والمُغَل والشلاليت.. ولعلّه كان يترنح أو يهيج لا من «سُكْر الخمر» وإنما من نقص «سُكَّر الدم» أو زيادته.. وإلى أن يثبت ذلك يكون «المتعوس» قد أكل علقة «ما أكلها حمار في مطلع»! وأورد هنا كلامًا يوافق الحال، قاله صديقي محمد صادق دياب ـ يرحمه الله ـ عن البقرة وسكاكينها: «وأنت «فوق» تظن أن الكل معك، وفي كل درجة في سلم الهبوط تتناقص ظنونك تدريجيا، وحينما تصل إلى الدرجة الأخيرة تجد الحقيقة وحدها في انتظارك، تقول لك إنك وحيد إلا مما قدمت».
أقول هذا تضامنًا وتعاطفًا مع كل من خاض الناس في ذممهم وسمعتهم، ثم أنصفهم القضاء فبرّأهم ولو بعد حين! «بعض الرائعين يستعصون على السقوط، إن هبطت بهم الدنيا امتطوا صهوة فضائلهم، فتحملهم قلوب الناس إلى مواقع استحقاقهم، ويبقى أعز مكان في الدنيا هو المكان الذي لا تقوى العواصف على إنزالك منه، ذلك المكان هو الذي تتكئ فيه مرتاح الضمير».
وختمت بكلام صديقي الإنسان.. أقول لروحه: أمَا وقد أفضيت إلى رحاب رحمة ربّك، التي لا تضيق بالوافدين، فانعم بجواره ودعنا في هذه الفانية، التي تتسابق فيها سكاكين البقر حتى على ذمم وأعراض البشر!