يقول آلان راي: «نعتقد أننا نسيطر على الكلمات، لكن الكلمات هي التي تسيطر علينا»
يحدث ذلك كثيرا حين ننسى بأننا مع إيماننا العميق بفكرة ما، نصبح في مرحلة ما عبيدا لهذه الفكرة التي تقودنا -دون وعي- لتنفيذها
تابعت قبل أيام وسما ساخرا في تويتر بعنوان (حملة_العريفي_تاج_راسك) يتحدث عن التقديس والتطبيل الذي يناله كثير من المشاهير والهجوم العنيف الذي يناله كل من يحاول انتقاد تلك الشخصيات اللامعة، وبالمناسبة لم يكن الوسم موجها لشخص الدكتور محمد العريفي، بل تم أخذه كأنموذج معاصر لفكرة الحصانة التي قد يخلقها الأتباع لأي نجم
وهذه التبعية التي تعشعش في عقول الأتباع انعكست بشكل جلي وواضح من خلال حروب التيارات التي تدور رحاها في كل دقيقة دون هدف نبيل قد يرتقي بمجتمعنا للأفضل، بل إن كل فريق يسعى لتصفية حساباته مع الآخر دون اكتراث لمفاهيم سامية مثل التعايش أو احترام حق الجميع في التعبير السلمي عن آرائهم
لذا تمارس فئات كثيرة إرهابا فكريا في تويتر وبأكثر الأشكال اللفظية حدة في نقاشاتها، بل وتعد كل فئة «لوبي» مؤثرا ينثر إبداعاته كل يوم في (منشن) أي شخص يحاول أن يفكر بطريقة مختلفة أو يعبر عن آرائه خارج أسوار القطيع
ولأن هذه الفئات ينضوي تحت لوائها عدد كبير جدا من المغردين السعوديين، فإنه لا بد لنا من الاعتراف بأنهم نتاج مجتمع يفاخر بتربية الفضيلة، ويفاخر بملائكية أفراده مقارنة بشعوب العالم الأخرى
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن فعلا مجتمع الفضيلة؟الحقيقة المرة أن التغذية الخاطئة لأفراد المجتمع منذ نشأتهم بوجبات التقديس للشخصيات والآراء والمبادئ التي يعتنقها المجتمع هي ما تشكل لاحقا اللبنة الأساسية لأي فرد، وفي حالتنا هذه يتم كل يوم شحن الطفل بجرعات متتالية من الأمور التي تصبح مسلمات لديه عندما يكبر لا يقبل التشكيك بها وقد يحارب من أجلها إن اضطر لذلك
المشكلة أن حالة تمجيد الأفراد هذه ليست مقتصرة فقط على الشخصيات الدينية، بل حتى الأفراد الذين يعتقدون أنهم قد تخلصوا من السطوة الدينية لأفكارهم (مثل بعض التيارات المتحررة والليبرالية) يبحثون دوما عن فكرة مقدسة ليعتنقوها بجمود أو لشخصية يطوفون حولها بخشوع
لذا فإن الأزمة الحقيقية تكمن في نظرة العبودية التي ترى أن أي حالة فكرية خاضعة لمفهوم السيد والخادم
ولو عدنا للوسم المذكور أعلاه، فأعتقد ببساطة أن العريفي وغيره من نجوم تويتر ليسوا مسؤولين في أغلب الأحيان عن الذين يستخدمون أقذع الشتائم للذب عنهم، بل إنهم كثيرا ما يتبرؤون من أفعال أتباعهم، فهؤلاء يسيئون بشدة لأي قضية يدافعون عنها
وإصلاح المشكلة لا يمكن أن يتم إلا بتحطيم أوهام التقديس وتكسير الأصنام التي يعكف عليها المجتمع لكي نستطيع التجول بحرية في فضاءات أكبر دون تخويف أو ترهيب من أحد
لا يمكن لمجتمع مكبّل أن ينمو، ولا يمكن لمجتمع يخشى الحرية أن يزدهر، وبنفس القدر، لا يمكن للأفكار أن تتوالد في بيئة مليئة بالحواجز والقيود والخطوط الحمراء
ولهث كثير من أعضاء المجتمع إلى قديس سيظل عائقا على الدوام ومحطما لأي تغيير يمكن أن يحصل
من يوافق على وضع أحدهم تاجا لرأسه، سيرضى حتما بأن يبقى حبيسا لأفكاره، سائرا وراءه دون إدراك، منفذا أوامره طوعا
وكما يقول جان فرانسوا بريان في كتابه العبودية الحديثة: «على عكس عبيد العصور القديمة، وعبيد الأرض في القرون الوسطى وعمال أولى الثورات الصناعية، نحن اليوم أمام طبقة مستعبدة كليا دون أي إدراك بذلك، أو بالأحرى، لا تريد الوعي به»