كلما سافر أحد من القيادات السعودية باتجاه الشرق كثرت التحليلات بأن هناك صفقات سلاح وتحول عن التحالف مع أمريكا وأنها ردة فعل لخلافات ناشئة، ثم تكشف البيانات الختامية للزيارة عن بعد تلك التحليلات عن الحقيقة وأنها تنصب في التعاون المشترك في شتى المجالات بدءا من الاستثمار وانتهاء بالطاقة التقليدية والمتجددة والبديلة وما بينهما من شركات وتدريب وعمالة، ويشمل ذلك بالطبع الصفقات الاقتصادية والعسكرية، هذه التوقعات المسبقة حدثت في أثناء زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى الصين والهند والباكستان وزيارة الأمير سلطان إلى سنغافورة واليابان 2006 والآن تكررت في زيارة الأمير سلمان إلى الباكستان واليابان والهند بالتحليلات نفسها والأفكار الخاطئة نفسها، كما تترد في الوقت نفسه تسريبات غربية عن صفقات سلاح بالمليارات من كندا ومن ثوار ليبيا وغير ذلك في الوقت الذي لا تحظى زيارات بقية القادة العرب بمثل هذه التحليلات والتسريبات وآخرها زيارة العاهل الأردني إلى الصين في سبتمبر 2013.
تبني السعودية استراتيجيتها بعد خيبات كثيرة واجهتها من حلفائها مثل صدام حسين وغزوه للكويت والولايات المتحدة باحتلالها العراق وتصرفات بول بريمر الكارثية رغم نصائح السعودية وتحذيراتها التي أثبتت الأيام صحتها، وبشار الأسد الذي وقفت معه السعودية بثقلها ثم انحاز إلى إيران ضد شعبه وأخيرا مجلس التعاون الخليجي الذي لم يتحد موقفا فضلا عن أن يتحد كيانا، وبالقرب من كل هذا إيران وهوسها الدائم بشرطي الخليج منذ أيام الشاه الذي يخف مع قياداته المعتدلة مثل رفسنجاني وخاتمي وروحاني ويزداد مع نجاد ولكنه موجود في الحالتين.
الواقعية الجديدة هي النظرية الغربية الحديثة في العلاقات الدولية، وهي بمثابة “المياه الجوفية” المحركة للغرب وسياساته تجاه دول العالم الأخرى، وتلتقي كثيرا مع السياسة السعودية الواضحة التي اتخذتها في السنوات الأخيرة وخاصة في سوريا والبحرين ومصر واليمن، وأهم من صاغها هو كينيث والتز رائد الواقعية الجديدة أو الواقعية البنيوية، وتكمن أهمية هذا الرجل في أنه يتحدث عن حالتنا أفضل منا ويفكر لنا بعقلانية نفتقدها، ويستحثنا على ابتكار نظرية واقعية ملائمة لنا في العلاقات الدولية، وكيف نضع استراتيجيتنا الخاصة بنا لتحقيق مصالحنا الوطنية والقومية، وذلك في ضوء فهم العالم (كما هو في الواقع) لا كما نتمناه أو نتخيله أو نريده، وفهمنا لهذه النظرية يعيننا على فهم وتحليل مواقف بوتين وأوباما الأخيرة على المستوى الدولي، وإردوغان وروحاني إقليميا، وعملت كوريا الجنوبية والصين عليها في القرن العشرين.
وأهم الأفكار التي طرحها والتز وتعنينا وطنيا كسعوديين وقوميا كعرب هي:
أولا: أن الفوضى التي تحكم النظام السياسي العالمي تحتم على الدول السعي للحفاظ على أمنها الخاص وإدارته وحماية نفسها (ذاتيا) بمعنى: اخدم نفسك بنفسك لأنك لا تستطيع أن تعتمد على الآخرين ليقوموا لك بذلك، فقد يساعدونك أو لا يساعدونك (هذا يعتمد على (نياتهم) التي لا يمكن أن تتنبأ بها.
ثانيا: أن الفوضى لا تعني أن “العنف” هو ضرورة حتمية في النظام السياسي الدولي وإنما تعني (التهديد) باستخدام العنف و(التلويح به) يجب أن يكون حاضرا دائما وأبدا، لأن النظام الدولي (ذاتي المساعدة) وبدون أن تساعد نفسك ذاتيا لن يلتفت إليك أحد أساسا أو يساعدك.
ثالثا: الدولة الأكثر قدرة هي التي تشكل العالم من حولها (وتختلق) المشاكل والعقبات أمام الدول الأخرى، وهو ما يؤكد على أن النظام السياسي الدولي ليس تنافسيا بالضرورة وإنما هو (مجال مفتوح) تستطيع فيه الدولة المحددة التي تمتلك (القدرات الأكبر) تشكيل وصياغة مداراته التي تتحرك الدول الإقليمية الأخرى في داخله، وهذا ما تسعى إليه إيران وقطعت فيه شوطا كبيرا في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج وغزة ومصر، وما تقوم به تركيا في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
إن النظام الدولي في وقتنا الراهن عبارة عن “فوضى” وليس نظاما تراتبيا بسبب (غياب) سلطة مركزية تعلو على جميع الدول القومية قاطبة، وتفرض القيود عليها وتوجهها نحو اتخاذ سياسات معينة، ولذلك تسعى الدول القومية (منفردة) للحفاظ على بقائها أو نجاتها من المخاطر وضمان أمنها القومي في ظل هذه الفوضى، والسعودية تنطلق من أن القوة هي مجرد وسيلة وليست غاية على عكس إيران مثلا التي تتبنى فكرة الواقعيين الكلاسيكيين، لذلك فإن الهدف من بناء قوتنا عسكريا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا هو حماية أمننا والحفاظ على بقائنا وليس تعظيم قوتنا ونفوذنا لأننا لا نعرف نوايا الدول الأخرى ولا نثق في طموحاتها، وعلينا أن نتحرك نحو الاعتماد على أنفسنا ونفسر الأمور التي تجري من حولنا بعقلانية دون أن ندخل في أجواء التنبؤات.

