بعربة حديد متهالكة، ينهكه دفع عجلتها الأمامية الوحيدة، ويصك صريرها أسماع الشارع المصطخب بأصوات الآليات
وغبار المباني المتهدمة يختلط بحبات عرق، تأبي أن تسيل إلا عبر خطوط الزمن المرسومة على وجهه الأسمر النحيل، معاندة نسمات ربيعية تلف البقعة المقدسة
ويتقافز «الخمسيني» آدم هوساوي بخطى نشطة خلف العربة المندفعة بجهد، يتفادى بعض أحجار تسد الطريق المؤدي إلى أحد زوايا فندق تحتضن بقاياه الأرض، بعد تحطيمه بآليات عملاقة تعمل لصالح مشاريع التوسعة التي انتظمت المنطقة المركزية، لينتهي في منطقة تجمع باحثين عن ريال من ريع قطع الحديد، المتناثرة على مواقع الهدم مشكلة موزاييك من قطع حديد التسليح، أو بقايا أجهزة كهربائية، وأسياخ نفرت من عمارات سادت ثم لفتها الخطط المرسومة لتوصل مكة نحو العالم الأول
تتعالى الهمهمات في المكان، وهوساوي يجول بنظراته بين الأنقاض، فهنا يكمن صيد تناثر من قبضة الآليات الضخمة، خلال رفعها نحو الشاحنات، بعضهم ينادي أصحابه لموقع «مكتنز»، وآخر يطلب عونا لرفع «الأثقال» وذاك ينادي لفصل قطعة عن أخرى، بيد أن الجميع منهمك في «تلقيط» رزقه، تفرقهم السحنات والألسن، وتجمعهم الحاجة لـ»الريال»
يتذكر هوساوي متطلبات حياته اليومية وهو يصارع قطعة طويلة، يدخلها تحت عجلة عربته اليدوية لثنيها عدة مرات حتى يتمكن من وضعها داخل صندوق العربة، فيما ينظر إليه شباب مستغربين قوة يديه في تطويع الحديد
وفي الوقت الذي تعمل جهات مختصة على منع الأفراد من جمع الحديد لبيعه لتجار الخردة، يرى هوساوي أنه لم يتعد على حقوق غيره، لكنه يجمع ما يصادفه من قطع لتوزن وتباع، ودفعته الحاجة لجمع الحديد ليسد بريعه متطلبات أسرته المكونة من زوجتين وتسعة من الأبناء والبنات، خاصة وأن أبواب العمل المعروفة مغلقة أمامه لاعتبارات فضل الاحتفاظ بها
على الصعيد، رفعت الجهات المختصة من وتيرة ضبط تسرب حديد البنايات المهدمة لصالح التوسعة، إذ يشير الناطق الإعلامي لشرطة العاصمة المقدسة المقدم عبدالمحسن الميمان إلى أن ظاهرة سرقة الحديد تلاشت إلى غير رجعة، ومنذُ نحو ثلاث سنوات لم تعد هناك أي سرقات، بعد إغلاق الثغرات بمنطقة المشاريع، والتنسيق مع الشركات لتوفير حراسات أمنية، وكذلك القضاء على أحواش السكراب التي كانت تُدار على أيدي مخالفين يجمعون بقايا حديد التسليح
فيما عد المشرف العام على قطاع البلديات الفرعية بأمانة العاصمة المقدسة المهندس سعود الهمزاني إدارته غير معنية بسرقات حديد التسليح، كون ذلك من مسؤولية شركات المقاولات في أعمال الهدم والبناء، موضحا أن الجهات المعنية هي القطاعات الأمنية
ولفت إلى أن الهم الأكبر لدى البلديات الفرعية ما أحدثه المخالفون من تعد وسرقات للكيابل الأرضية لمشاريع قائمة بالمنطقة المركزية، وفي أحياء مُجاورة، كشعب علي وشعب عامر والحفائر والستين وغيرها من مواقع أُخرى، حيث وجهت إمارة منطقة مكة المكرمة الأجهزة الأمنية عبر العناصر الشُرطية ودوريات الأمن والقطاعات البحثية والسرية للتخلص من ظاهرة سرقة الحديد، فتم القبض على كثير من المخالفين الضالعين في سرقة الكيابل الأرضية وما أحدثوه من شقوق أرضية نتيجة دأبهم على حفر الأرض لاستخراجها
وأضاف الهمزاني لـ»مكة» إن ظاهرة سرقة الكيابل قلت عما كانت عليه سابقاً، وذلك للجهود التي قامت بها شرطة العاصمة المقدسة
منوهاً إلى أنه يجري في غضون الأسابيع المقبلة التعميم على البلديات الفرعية بإلزام كافة مؤسسات المقاولات لتأمين حاويات لوضع مخلفات البناء، بعد أن لاقت التجربة نجاحاً متميزاً في بعض المواقع بمنطقة الحرم المركزية