ليس كاتبا مسرحيا أو مؤلفا دراميا معتادا، هو من ذلك النوع من الفنانين الذين تقمصهم الفن وتوغل في دواخلهم حتى أصبح بالنسبة لهم الماء والهواء.
طاقة الحب الهائلة التي تسكن المسرحي فهد ردة الحارثي، وصدقه الفني، هما اللذان مكنانه من تكوين فرقة مسرحية يشار لها بالبنان في مدينة لم تكن تقيم للمسرح أهمية كبرى، حيث اشتهرت مدينته الطائف بالفنون الشعبية وفن الغناء فحسب، ومنها -فرقته- لفت انتباه المسرحيين في داخل المملكة وفي جميع أنحاء العالم العربي، فكرموه ومنحوه الجوائز المحملة بالمحبة.
شخصيته الهادئة المحبة، والشغف وحده هو الذي دفع بمجموعة من الشباب أعضاء ورشة العمل المسرحي بجمعية الثقافة والفنون بالطائف قبل ثلث قرن بالالتفاف حوله والنهل من حضوره الطاغي، فعشقوا المسرح بدافع من روحه، فكان بمثابة المعلم.
منهجه المسرحي ينحى إلى سبر أغوار الحالات الإنسانية، وبالضرورة هو دائم الصلة بمناهج الفن المسرحي الأخرى، لكنه لا يقلدها.
قادته ثقافته وولعه بالمعرفة إلى دراسة جميع الفنون، ليست دراسة أكاديمية، إنما دراسة العاشق النهم الذي لا يكف عن طلب الاستزادة، ونحى في تعمقه نحو تقصي الفنون النابعة من حراك البسطاء، ثم استلهم الفنون العربية والعالمية، ليخلق لغة مسرحية خاصة به وحده، ما أن يقترب منها الجمهور حتى يفطن إلى أسلوبه الفريد.
طالما يكرر أن العمل المسرحي كائن ينمو ويتحرك ويتبدل ويتحول، وفي كل مرة يقدم فيها النص المسرحي تجده وقد تشكل بشخصية أخرى غير التي كان فيها أول مرة، ذلك جزء من فلسفته، ولهذا هو يؤمن بحرفية الخروج من النص.
عندما قدم مسرحياته الأولى «يا رايح الوادي، بيت العز، شدت القافلة، النبع، البابور، أنا مسرور يا قلعة، وزبن خليك رجال» كان هاجسه ينطلق من سؤال: كيف سيؤثر هذا العمل في الجمهور؟ منطلقا فيها من شكل المسرح الملحمي، ثم خلط بين المسرح الملحمي ومسرح الحكواتي، وأيضا اقترب من مسرح القسوة والدهشة، وكان للتجريب دور كبير في تكوين هذه الأعمال.
وفي مسرحياته الأكثر نضجا «الفنار، البروفة الأخيرة، المحتكر، لعبة كراسي، وبازار»، ذهب إلى تقصي أنواع أخرى من مدارس المسرح واتجاهاته، حتى إنه كتب نصوص «يوشك أن ينفجر، عندما يأتي المساء، ملف إنكليزي، وشروق مريم»، في قالب مسرح المونودراما الممزوجة، أحيانا بتقنيات مسرح الحكواتي.
غير أن مسرحية «سفر الهوامش» تروي في رمزية تقترب من السريالية، وفي «المحتكر» و»البابور»، يستخدم ملامح من تكنيك المسرح العبثي.
فهد ردة..فنان يتنفس المسرح
خالد ربيع -- جدة2 دقائق للقراءة

فهد ردة
حجم الخط
