يمثل موت المقربين عند الأدباء والمبدعين لغة أخرى، فكثير منهم أشعل الموت فيه قريحة الإبداع، فـ "مرثية في مقبرة ريفية" لـ "توماس جراي" تكشف جانبا عميقا ومثيرا لحقيقة الموت، وارتباطه بالإبداع الذي ينظمه أو ينثره كـ"حالة" وجودية وحقيقية لا مناص منها، وتلتقي بتلك الوجودية "سيمون دي بوفوار"، وهي تجلس قبالة والدتها التي تحتضر لتسجل وقائع ولحظات الموت
بداية يوضح الروائي أحمد الدويحي الذي فقد اثنين من أبنائه وهما في عمر الزهور، أن مفردة الموت تسكنه وتشكل له كل الحياة وتلازمه في كل مفاصل حياته الإبداعية، مضيفا "حين أنتهي من كتابة نص من نصوصي الروائية والقصصية، أشعر بموت، حتى تُبعث فيّ حياة جديدة، وليس بالضرورة أن يكون في النص خطاب يجسد هذا المعنى، ولكنها الكتابة برمتها تعني لي حياة"
فيما يؤكد الفنان التشكيلي أحمد المغلوث أن الموت هو الحقيقة التي يعجز أمامها الجميع، حقيقة تولد في المبدع حالة إبداعية ترتقي به إلى معانقة الحرف أو اللوحة مفرغا فيها ما يشتعل في دواخله
وفي السياق نفسه يشير الشاعر جاسم عساكر، الذي فقد أول أبنائه "محمد"، إلى أن موت الأحبة عند الأديب يشكل مساحة تتمدد على أطراف خرائط النصوص الأدبية والدواوين الشعرية العربية قديمها وجديدها، مبينا أن الكتابة الإبداعية المتعلقة بالحزن يستعصي عليها أن تكون مزيفة، إذ يقول: لامستُ ذلك على صعيد شخصي حين كتبت مرثية ابني الراحل:
غرقتُ لأنعاكَ في صرخَتي ... عميقا عميقا بِعُمقِ اللهاةْ
فعادَ بيَ الشعرُ من قاعِهِ ... تصاحبـُني الأحرفُ الثاكلاتْ
أراقبُ حتّى انتهاءِ الطريقِ ... وأبحثُ فيمَا نأى منْ جهاتْ
أرى كلّ طفلٍ علَى بابهِ ... سواكَ إذا عادتِ الحافلاتْ
أحمد الدويحي
"فقدت ابنيَّ عبدالله ورامي، وكان حزننا كبيرا أنا وأمهما وأشقاؤهما، والذين تعاطفوا معنا، وقد فقدناهما بعدما تخرجا في الجامعة، وهنا كانت إشارتي الإبداعية الأولى، فبدأت كتابة روايتي "وحي الآخرة" وذهبت في طقوس وأسئلة ميتافيزيقية، وجاورت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وتوقفت فجأة عن كتابة الرواية، وكتبت التي تلتها "مدن الدخان"، ولكن رحلتي لليمن برفقة الشاعر محمد الثبيتي، وسقوطه بعد عودتنا مباشرة، وحضور سطوة الموت من جديد، شجعتني لإنهاء الرواية"
أحمد المغلوث
"كان الوقت عشاء، لحظات وساد الصمت المكان، وراح الجميع ينظر لشقيقي الذي كف عن البكاء والصراخ، بات لا يتحرك كما كان قبل لحظات، اقتربت منه جدتي برأسها، صرخت وأخذت والدتي بالحضن، وقالت بصوت منخفض "عليك بالصبر يا بنتي عليك بالصبر"، عندها ارتفعت أصوات وصراخ وبكاء والدتي وخالتي وحتى شقيقتي الكبرى، نعم شاهدت ملامح الموت في هذا المشهد الذي ما زال مرسوما في ذاكرتي حتى اللحظة"
جاسم عساكر
"الأديب في حالة فقد أحد أحبته، فإنه حتما سيتعامل معها كـ"حالة فنية" وإن كانت مشوبة بالألم، ولكنها تسهم في صقل إحساسه وعاطفته، إن كان يملك وعيا حيال مجريات إبداع يؤهله لأن ينظر نظرة مختلفة للآلام الحسية، التي تعارف عليها من حوله لتستحيل الرزية بين يديه إلى هدية يحيل منها نصا إبداعيا ورقيا موازيا لما هو في الواقع أو أكثر جمالا"

