في جزيرة العرب سواء في الجاهلية أو بعد الإسلام تتفاخر القبائل بشعرائها، ويهنئ بعضها بعضا متى ما نبغ في إحداها شاعر، لأنهم المنافحون عنها، والمذيعون لمفاخرها بين القبائل الأخرى، كما أنهم إذا مدحوا أشخاصا رفعوهم، وأعلوا منزلتهم، وإذا هجوا آخرين حطوا من أقدارهم. هذا عند العرب، أما عند الطوارق فإن ذلك الدور منوط بالمغنين. فالمغني هو صوت قبيلته، أو واجهتها الإعلامية، إذا اخترنا التوصيف بتعبير حديث.
وكما يمدح الشعراء الوجهاء وينالون الأعطيات، يمدح مطربو الطوارق سادات قومهم، وينشرون محاسنهم ليحظوا بالجوائز السنية، وإذا كانت الذاكرة العربية تحتفظ بقصة المحلق الذي كان خامل الذكر فلم يتزوج أحد من العرب من بناته الثماني حتى استضاف الأعشى فأكرمه وانطلق يحدو برائعته:

أرقت وما هذا السهاد المؤرق

وما بي من سقم وما بي تعشق

إلى أن قال:

تشب لمقرورين يصطليانها

وبات على النار الندى والمحلق

فتسابق الخطاب على بناته، فإن الأمر نفسه لدى الطوارق، ذلك أن سعيدة الحظ هي تلك الفتاة الطارقية التي ينوه بذكرها أحد المغنين -وخاصة من الكبار- ثم يؤلف قطعة موسيقية تسجل باسمها، فتلك مطمح كل شاب لما خولتها الأغنية من سمعة وصيت.
وإذا كان الهجاء غرضا شعريا يرمي به الشعراء من يغضبهم لسبب أو لآخر، فإنه أيضا كذلك في الأغنية الطارقية، فهذا أسطورة الفن الطارقي «إِخَنِي» (توفي 1992) استقل مبلغا أعطاه إياه أحد وجهاء القبائل، فما كان منه إلا أن هجاه وحوله إلى مسخرة وأضحوكة بين الناس، فبينما كان المهجو يشغل منصب «دبيتيه depute» (كلمة فرنسية بمعنى نائب برلماني أو ممثل لقبيلة) حولها إخني إلى دفيتيه أو دافتو (تعني الشؤم بلغة تماشقت لغة الطوارق) تندرا وسخرية، وحين هجا شخصا كان قد سرق حصانه، ألف قطعة موسيقية للسخرية منه، ووصفه في كلماته بما يشبه الصور الكريكاتورية، فهذا السارق نتن الرائحة، لحيته مثل لحية إبليس، يخاف منها الأطفال...
إلى غير ذلك، لهذا يتقي المجتمع الطارقي سلاطة ألسنة المطربين (آجوتن) كما يُتقى الشعراء.
ولا يتوقف دور مغني الطوارق عند هذا الحد، بل يتعداه إلى التوثيق على نحو ما نراه في سائر الآداب الشعبية، فمغنو الطوارق لم يألوا جهدا في تخليد ملاحمهم عن طريق مقطوعات موسيقية، فالمعزوفة الشهيرة «ياللّي» هي في الحقيقة تحمل اسم حصان غالي أغ شفقر (أحد قادة إيموشغ زعماء الطوارق تاريخيا عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين تقريبا) تصف كلماتها تفرد الحصان في شكله، وتحاكي موسيقاها حركة حصان هذا القائد العظيم!وهكذا يمكن القول دون مبالغة إن الأغنية الطارقية مثلت إرثا شفهيا حيا، عوّض غياب الرصد العلمي لتاريخ الطوارق، فهي تؤرخ بدقة لكثير من وقائع الطوارق، وأيامهم (سواء فيما بينهم، أو بينهم وبين الاستعمار) كما تؤرخ لأنماط حياتهم الاجتماعية والاقتصادية في مراحل تاريخية مختلفة
أما في الأزمنة الحديثة، فإن أول ما يلاحظه المتابع لتطور الأغنية الطارقية، والسياقات الاجتماعية والسياسية التي يتحدد بحسبها دور المطرب الطارقي، أنها قد تسيّست، نتيجة المطالبات السياسية للطوارق، فترى مطربيهم يضطلعون بدور ريادي في الأحداث السياسية، فهم من أدار الدعاية الإعلامية للمشاركة في الثورات التي شهدتها مالي والنيجر، وكان المغني الشهير «آمنو أغ أسا» أحد عرابي ثورات تسعينات القرن الماضي، إذ ذهب إلى العديد من الدول مع فرقته الموسيقية يلتمس دعمها من خلال تنظيم الحفلات الغنائية
كذلك نال كثير من مقاتلي الطوارق رتبا عسكرية عليا، فقط من أجل أدائهم الموسيقي الرائع، ولهذا لا نجازف إن قلنا إن الغناء في هذا المجتمع يقوم بدور الأدب والإعلام بل ربما يعد أكبر موجه للوجدان الطارقي!
تنويه واعتذار: في موضوع الأسبوع الماضي عن الأتاي ورد اسم قائل هذا البيت: وتَبْسم في ذاك الكؤوس كأنها* ثُغور العَذَارى حين تُنْضِي البَراقع. هكذا: حتاحتا بن الصادق. وهو خطأ وإنما اسمه: حماتا بن حمتال بن الصادق الأنصاري.