ربما كان بعض المتفائلين والمؤيدين وحتى العارفين بالحركات والأحزاب المدعية للإسلام السياسي يرون أن أفضل ممثل لهم يمكنهم تقديمه هو حزب جماعة الإخوان المسلمين بالنظر إلى مقارنتهم مع نظرائهم السلفيين وغيرهم وكذلك خبرتهم والكوادر المنتمية لهم وممارستهم للعمل السياسي والحزبي منذ أكثر من ثمانين عاماً، إضافة لتعبيرهم دائماً عن قدرتهم على ممارسة الحكم والسلطة والتعايش مع عموم أحزاب وطوائف المجتمع ربما بشكل أفضل مما تحمله أدبيات الأحزاب الدينية الأخرى، بل إن المتحمسين للإخوان لاموهم على تحالفهم مع السلفيين أثناء فترة الانتخابات بحجة أن هؤلاء قد يكبلون قدراتهم في التعايش مع النظام الديمقراطي داخل المجتمع وخارجه
فالسلفيون ليس لهم خبرة الإخوان ومراوغتهم السياسية، وجهودهم دائماً ما تنصب على صلاح أفراد المجتمع بدءاً من قاعدة الهرم على العكس من الإخوان الذين يرون في أدبياتهم أن البدء من قمة هرم السلطة هو الأنجع، ضمن مشروع الحاكمية الكبير الذي يرى مفكروه ومنظروه أن حلقة الفقه السياسي في الدين الحنيف هي الأضعف، وأن تلك الحلقة غير متكاملة الأطراف كمشروع ديني سياسي يشابه ما هو عليه الحال في فقهي العبادات والمعاملات!ولكن الواقع المفاجئ للمراقبين أثبت العكس إذ تعاملت الأحزاب السلفية -وأقصد هنا في مصر- ببراجماتية عالية ربما بأكثر مما تطيقه أعتى الأحزاب المدنية والليبرالية، فضلاً عن جماعة الإخوان، بل فضلوا البقاء على رصيف المعارضة والحوار السياسي عن أن ينتقلوا إلى وهج السلطة الحارق
إن المطب الذي وقع فيه الإخوانيون وستقع فيه كل الأحزاب الدينية لاحقاً حال انتقالهم من المعارضة للسلطة هو عدم إيمانهم بمشروع الدولة المدنية الوطنية التي هي أس النظام الديمقراطي، وكونهم فقط مجرد حزب سياسي يتسابق في ملعب الدولة المدنية الكبير، مما يجعلهم في تناقض عجيب بين النظرية التي بنوا عليها جماهيريتهم وأدبياتهم، وبين التطبيق والممارسة السياسية التي تعاقدوا عليها مع المجتمع ووصلوا بها للسلطة.. وهذا يخلق أمامهم حالة نجاح مستحيلة.
فالفرق ما بين الدين والسياسة أشبه بالفرق ما بين الصدق والكذب، وإن كانت السياسة تقبلهما معا فإن الدين لا يقوم إلا بصدق القلب والعقل وما عداهما رياء ونفاق! لقد قدمت جماعة الإخوان وهم الجماعة الأكثر خبرة أحسن سيئ لدى تلك الأحزاب والحركات، فماذا سيكون الحال عليه عند من يفتقد الخبرة الإدارية والسياسية أصلاً! فلغة الدماء والتفجير والقتل ما زال صداها يسطع في سماء تلك الأحزاب منذ قصف حماس بالصواريخ لخصومها السلفيين المعتصمين في المسجد، ومرورا بما حدث ويحدث في العراق وليبيا وسوريا وصولا للتبعات التي أفرزها اعتصام رابعة العدوية في مصر
ورحم الله الشيخ الشعراوي عندما قال «أرفض أن يتلخص ديني في صندوق انتخاب، فديني هو صلة بيني وبين خالقي عز وجل، مثلما أرفض أن أرشح حزبا يستعطفني مستنداً على وازع ديني قبل أن يخاطب عقلي.. أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة لا أن يصل أهل الدين إلى السياسة»
[email protected]