لا يترك المجلس دون أن يهز هزة ثقافية فيه، ولا يغادر محفلا تحدث فيه إلا تبعته أسئلة حامية الوطيس من مؤيديه أو معارضيه. لم يعترف بالطائفية أبدا، كان همه الإنسان وزرع الثقافة والحداثة في داخله، وظلت الحداثة هاجسا يطارده حتى هذه اللحظة، ذاك هو المفكر الجدلي الأديب محمد العلي الهجري، الذي يحمل على ظهره نحو 80 عاما، عاش في عروقها ولم يسأم حتى الآن.

فقبل 70عاما غادر العلي بلدته مدينة العمران في واحة الأحساء متوجها إلى مدينة النجف طلبا للدراسة. وكان أبوه يريد له الوجهة الدينية، ولكن العلي سرعان ما غادرها بعد أن قطع شوطا معرفيا وصل إلى مرحلة متقدمة، وتوجه للدراسة الأكاديمية لينال درجة البكالوريوس من كلية الفقه بجامعة بغداد عام 1962م.

هذا التوهج عند العلي هو ما جعله يواصل البحث عن المعرفة بالمقاييس التي يراها تناسب تساؤلاته الجدلية المعقدة التي لا تستسلم للإجابة الأحادية. إنه صديق العقل الجماعي، وما زاد على ذلك تعرفه على نخبة ثقافية هناك لها حضورها في الساحة العربية الأدبية. ولم يطبع ديوانا شعريا ولا كتابا آخر، بل المعجبون بنتاجه هم من يترجونه مرارا وتكرارا ويطبعون بدلا عنه، لأنه يصلح أن يكون ضمير المتكلمين جميعا في «نا»، ويرى الحياة من خلال نوافذ الشعر والأدب. ثم إن ينابيع النبوغ الشعري عند العلي بدأت تتفجر مبكرا في ريعان شبابه وبتدفق لافت للنظر. وتظل قصيدته البكر «طرقة» شاهدة على ذلك، ومنها:

صدح الباب فاشربي يا أذني اللحن واروي به ظمأ الأماني

هو أني أحس هرولة السحر تجري في دمي وعقدة من لساني

يا لساني أفي فمي أنت؟ مالي كلما أردتُ الكلام تنساني؟

ورغم قوة الإبداع إلا أنه مقل في الشعر، ويسيل أنهارا من الحبر في كتابة المقالات الصحفية التي يتابعها النخبويون وغيرهم، ومع قصر كلماته إلا أنها توصف بـ»الرصاصة».