لم يكن الشاعر والخطيب قديما يمتهنان مهنا أخرى، بعيدة عن مجاليهما، الخطابة والشعر، فوظيفة الشاعر، غالبا، لا تتجاوز أن يكون لسان قومه، ووظيفة الخطيب أيضا لا تخرج عن أطر الخطابة بصفة عامة
وفي سبيل التكسب، درج بعض الشعراء على التزلف للممدوحين، وطلب العطايا والمكرمات منهم، وقد أوردت كتب الأدب لبعض الشعراء تركهم التذلل بالشعر للخلفاء ووجهاء الدولة، وممارسة مهن أخرى، مفتخرين بها وإن كانت بسيطة، على نحو ما كان من أبي الحسين الجزار «الشاعر المملوكي» الذي امتدح مهنة الجزارة؛ «لأنها كانت تجعل له فضلا على الكلاب التي ترجو منه بقايا اللحم»، وذم الأدب الذي جعله راجيا لفضل الكلاب «الممدوحين» يقول:لا تعبني بصنـعة القصـاب فهي أذكـى من عنبـر الآدابكان فضلي على الكلاب فمذ صرت أديبا رجوت فضل الكلاب تقول الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن في أحد مقالاتها: «ما نعاني منه نحن ككتاب عرب هو عدم الاعتراف بالكتابة مهنة، فعلينا أن نسرق الوقت المستقطع؛ لنكرس أنفسنا لها، علينا أن نعيش هذه الحياة المزدوجة بين الأدب والتوق إليه، والهموم اليومية، وغياب المناخات المؤاتية للكتابة والتفرغ لها»ومن المهن التي اشتركت كثيرا مع الأدب، «الطب»؛ إذ نجد مجموعة من أبرز أعلام الأدب عملوا في هذا المجال، منهم: الأديب الروسي، رائد القصة القصيرة على مستوى العالم، أنطون تشيخوف، الذي كان يردد: «الطب زوجتي، والأدب عشيقتي»، ومثله مبتدع شخصية «شارلوك هولمز»، الروائي البريطاني، آرثر كونان دويل، والأمريكي الذي كتب عددا من روايات الخيال العلمي مايكل كرايتون، والروائي والكاتب المسرحي الإنجليزي وسومرست موم
أما في عالمنا العربي، فقد اقتحم كثير من الأدباء عالم الأدب من باب الهواية، بالإضافة لمهنهم الرئيسة، فمن الذين عملوا في مجال الطب نذكر المصريين إبراهيم ناجي، ويوسف إدريس، وعلاء الأسواني، ومحمد المخزنجي، والروائي السوداني أمير تاج السر الذي رشحت روايتاه: صائد اليرقات، و366 لجائزة البوكر
ونذكر من الروائيين المحليين، الذين عملوا في مجال الطب، الأديب عصام خوقير، الذي كتب عدة أعمال أدبية، نذكر منها روايتي السنيورة، والسكر المر، وكذلك كاتبة رواية بنات الرياض، الروائية رجاء الصانع، التي شكلت تحولا كبيرا في مسيرة الرواية السعودية، وقد مُنحت مؤخرا جائزة الإنجازات العظيمة السنوية، من جامعة إلينوي في شيكاغو الأمريكية
وعن تأثير الرواية على دراستها وعملها، تعترف الصانع أنها وضعت بعض العراقيل أمامها، فقد رُفضت بسببها في كثير من الوظائف، وكادت أن تكون حائلا دون حصولها على بعثة لإكمال دراستها في أمريكا، لكن بالرغم من هذا كله تؤكد رجاء أنها بصدد إصدار رواية أخرى قريبا
وفي لقاء له مع طلاب جامعة الملك سعود يقول منذر القباني، الذي برز مؤخرا كأحد أهم الروائيين السعوديين، وصدرت له بعض الروايات منها: حكومة الظل، عودة الغائب: «إن علاقة الطب بالأدب لم تكن مصادفة، ويرى أن أقرب مهنة للأدب هي الطب؛ لأن الطبيب، بحسب رأيه، متفرد عن غيره، فهو يرى الإنسان في جميع مراحل حياته، يرى عملية ولادته، صباه، شبابه، مرضه، وحتى موته، ويقول إن التعايش مع هذه المواقف وغيرها، لا بد وأن يترك أثرا على نفس الطبيب
وهناك مهن أخرى، عمل بها بعض الأدباء؛ فالأديب المصري، يوسف السباعي مثلا، تقلد عدة مناصب عسكرية، قبل أن يشغل منصب وزير الثقافة، في عهد الرئيس السادات، ومثله الأديب السوري، حنا مينا، الذي تنقل بين شتى المهن، فقد عمل في صغره حلاقا، في دكان صغير بالقرب من البحر، ثم عمل في محل للدراجات، ثم بحارا على أحد المراكب الشراعية، حتى انتهى به المطاف مستشارا في وزارة الثقافة، ولا ننسى الروائي المغربي محمد شكري، الذي تعلم القراءة والكتابة في سن العشرين، فقد عاش طفولة قاسية، ومارس بعض الأعمال الشاقة، التي لم ترحم سنه، فقد عمل صبيا في مقهى، ثم حمالا، فبائع صحف، وماسح أحذية، وغيرها من المهن، حتى قرر أن يرتاد المدرسة ويتعلم القراءة والكتابة، ليعمل في سلك التعليم بعد تخرجه، كما عمل في مجال الإذاعة، ومن أهم إنتاجه الأدبي رواية «الخبز الحافي» التي صنفت كأحد أهم الروايات العربية
وفي الأدب السعودي، يلمع اسم غازي القصيبي، الذي جمع بين الأدب والعمل السياسي، فقد عمل وزيرا للصحة، ثم سفيرا، ثم وزيرا للمياه والكهرباء، ووزيرا للعمل
فالأدب ليس حكرا على أحد، أو على تخصص بعينه، فمتى ما توافرت موهبة الكتابة والتعبير، وسعة الاطلاع، تفجر الإبداع
الكتابة الأدبية من المهنة إلى الهواية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
