أصاب ببعض الخيبة كلما تأملت سطوة التقنية بضروبها وأدواتها اللامحدودة، وأسأل ذاتي عن جدوى الكتابة والإبداع حيث أضيع في بحر الاتصال بتشابكه وكثرة روابطه التشعبية التي تصيبني بالصداع
أرجو ألا يفهم قولي هذا على أنني مضادة للتقنية، فاتصالي الالكتروني ممتاز، حيث أكتب وأتفاعل وأقرأ وأتحاور بنقاش جاد وأتصادم، ولدي كثير من القراءات والمشاهدات، بل أزعم أن التقنية حسنت مطالعاتي وضاعفتها وطورت لغتي وضخت في كتابتي مناجم الجرأة وفجرتها، كذلك لا يمكنك التراجع وأنت في مواجهة متلق لحظوي، يتتبعك ويتفحص ما تكتب، ويبني تصوراته عنك بمقدار تمسكك بما تؤمن به وتكتبه
أظن أن التقنية خدمت بشكل إيجابي مراصد البحث والدراسات والتقصي بحيث استطاعت أن تبني مواقفها وأحكامها ونظرياتها على قدر من الدقة والاتصال والتفاعل مع الوعي مباشرة بمدة وجيزة، كما أمكنها صناعة آرائها وقناعاتها عن الرأي العام وجمهور القراءة والكتابة والقضايا والظواهر وما إلى ذلك من فضاءات
واقع الأمر أنني أتخيل علاقة أحدنا بالتقنية بعد تقدمنا في العمر، فأتصور عندما أتقدم في العمر كيف ستنتشلني تلك التقنية من هواجس عزلتي بقلة الزائرين أو المعارف، في الجهة الأخرى أتخيل وليدا نما بين يدي التقنية، كيف يكبر بها؟ وكيف تبدو علاقاته مع العالم المحيط حيث لكل فرد عوالمه الافتراضية التي يكتفي بها عن علاقته بالآخرين؟ كما أتخيل كيف ستبدو الرحلات البرية والنزهات العائلية التي يقوم بها الافتراضيون مع ذويهم؟ فهل سيهتم الجيل الرقمي بما يهتم به مجتمعنا الحالي، حيث يحرمنا بعضهم من تذوق المائدة حتى ينتهي من تصويره طبقا تلو الآخر حتى نفقد شهية الطعم! موحشة حالة وحياة على هذا النحو تكتفي برصد الواقع من خلال الأجهزة الذكية فتفقد ما عداها الطعم والرائحة لترضي خاطر التقنية وعين الانستغرام! أجهزة أضحت تلازمنا كظلنا وأكثر، حيث ننام ونصحو على أنغامها
لعنة الافتراض تلك بدأت تتسلل إلى خصوصيتنا بدرجة تأسف لها إنسانيتنا
ليتنا نجرؤ على أن نخصص بعض اليوم بعيدا عن العالم الافتراضي، ونعود إلى صوت وجلسة العائلة بكامل متعها الحسية دونما تقنية.
[email protected]