المفاوضات المباشرة الجديدة التي انطلقت مؤخراً بين القبارصة الأتراك واليونان في مرش، قلب المنطقة الخضراء التي تشكل اليوم الحدود الفعلية على ضوء نتائج العمليات الحربية عام 1974 حملت معها كثيرا من الاستفسارات والتساؤلات حول ما إذا كانت العملية هذه المرة ستتحول إلى مقدمة لسلام حقيقي في الجزيرة التي تعاني منذ أكثر من نصف قرن من توتر واحتراب بين طرفيها، فشل كثير من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية في إنهائه
يقول المحلل السياسي التركي سامي كوهين إن الأمم المتحدة قررت مرة أخرى التحرك على خط الأزمة القبرصية ونجحت قبل أيام في جمع الرئيس القبرصي نيكوس اناستاسيادس ونظيره القبرصي التركي درويش أروغلو حول طاولة حوار مباشر استمر نحو ساعتين سيعقبه جلسات حوار أخرى كما أعلنت الأطراف
ويتابع أن النتائج الأولى وكما يبدو من خلال البيان المشترك الذي تلته ممثلة الأمم المتحدة رئيسة البعثة الدولية ليزا باتنهايم وجاء فيه ‘أنّ اللقاءات ستستمر، وأن القادة هدفهم التوصل إلى حل في أسرع وقت ممكن، يقوم على أساس إعداد برنامج مفاوضات مشترك يعقبه تنظيم عمليتي استفتاء منفصلتين “هي مشجعة وتحمل معها الكثير من التفاؤل رغم كل المحاولات الفاشلة السابقة”
خطة التحرك كما يرى المتابعون تقوم هذه المرة على طرح نقاش مفصل لكل بند من ورقة عمل أو إعلان يلتزم به الطرفان في حال الاتفاق، ويمكن وصفه بإعلان مبادئ أساسية تشمل قبول طرح قبرص المتحدة بين فدراليتين مستقلتين، تشمل مواطنة واحدة وهوية سياسية واحدة وسيادة واحدة
قبارصة الشمال يهددون أن هذه المحاولة ستكون الأخيرة بالنسبة لهم، لأنه في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق فإنهم لن يعودوا إلى أية طاولة حوار، وسيتصرفون على أساس دولة مستقلة بالكامل تحدد شكل علاقاتها السياسية والدستورية مع تركيا على ضوء التطورات، ملوحين بورقة احترام قرار القاعدة الشعبية في موضوع الوحدة مع تركيا إذا ما طلبت ذلك
قبارصة الجنوب الذين -بدورهم- يلعبون ورقة التحاقهم بالمجموعة الأوروبية وانفتاحهم على إسرائيل في السنوات الأخيرة يعرفون استحالة تركيب أية معدلات إقليمية دون إشراك القبارصة الأتراك وتركيا تحديدا فيها
سيناريوهات التوتير ستزيد الأمور تعقيدا، والعامل الاقتصادي والنفطي يلعبان دورا مهما في حث الطرفين على التفاهم بعد انقطاع سنتين كما يرى أستاذ العلاقات الدولية في إسطنبول ايلتر طوران
وتذكر الباحثة في العلاقات الدولية غودهو كيليشدآر أن قبرص اليونانية تدرك أنّ ثروتها من النفط ومن الغاز الطبيعي المكتشفة شرقي البحر الأبيض المتوسط تواجه مشكلات التصدير، إذ إنّ تركيا تعارض أي استغلال لهذه الثروة من جانب الطرف القبرصي بمفرده على أساس أنّ هذه الثروة هي ملك مشترك لكل سكان الجزيرة، وهي لترجمة ذلك حركت سفنها الحربية عام 2009 مهددة أكثر من مرة بمنع الشركات من التنقيب عن النفط في المنطقة قبل تحديد ورسم الخرائط المائية بين دول شرق المتوسط
وقد أضيف إلى كل هذه التعقيدات دخول إسرائيل بشكل قوي على خط الأزمة من خلال التلويح بحصتها من الغاز وحقها في نقلها إلى الخارج، ويتقدم هنا التصور الإسرائيلي الذي يتحدث عنه خبراء إسرائيليون يقوم على إنجاز المصالحة التركية الإسرائيلية واعتماد خط أنابيب يمتد من إسرائيل إلى قبرص فتركيا لتصدير الغاز إلى أوروبا، وأن الحكومة التركية لا تمانع في ذلك بعد الاستجابة لمطالبها في أزمة أسطول الحرية الذي أطاح بالعلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين
الاتحاد الأوروبي الذي أشاد بدعم تركيا للمحادثات لتسوية مسألة الجزيرة يقول إنها فرصة مهمة أيضاً لتسهيل التحاق تركيا بالمجموعة وفتح الأبواب أمام الفصل الـ35 من المحادثات المرتبط مباشرة بأزمة الجزيرة، وهذا ما أشار إليه مفوض التوسعة في الاتحاد الأوروبي ستيفان فولي عقب لقائه وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو من أن الجانبين «اتفقا على أهمية التوصل إلى تسوية شاملة للمسألة القبرصية وأن الاتفاق هو لمصلحتنا جميعا»
ومن جهته، يرى أركان شيت لي أوغلو الأكاديمي والباحث التركي أن القبارصة اليونان يلعبون أكثر من ورقة في الحوار مع أنقرة هذه المرة، أهمها تكرارهم أن الحل سيوفر لتركيا حل أهم مشاكلها في حاجتها إلى الطاقة التي تعتمد فيها بالدرجة الأولى على إيران وروسيا، وأن الاتفاق على استخراج نفط وغاز شرق المتوسط سيسهم في تخفيف احتياجات تركيا من الطاقة
هذا إلى جانب التذكير باحتمال استفادة تركيا مباشرة من تحولها إلى جسر ينقل الطاقة الإسرائيلية إلى أوروبا، حيث قال رئيس قبرص اليونانية أناستاسياديس إن الاتفاق من شأنه أن يسمح بتزويد تركيا بالغاز الطبيعي القبرصي والإسرائيلي المكتشف حديثا، ويسهم في تحسين العلاقات بين أنقرة وتل أبيب
هذا دون أن نهمل رغبة ومصلحة الولايات المتحدة في حل مشكلة الجزيرة، الذي قد يتحول إلى حل وتفاهم أوسع في المنطقة، وما تقدم أناستاسياديس بالشكر لواشنطن على جهودها سوى مؤشر على دورها الرئيس في استئناف محادثات السلام المتوقفة بين القبارصة
باختصار، وكما يجمع العديد من المتفائلين هذه المرة الحل قد يساعد تركيا على الخروج من مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي في موضوع قبرص الشمالية، وربما كلام رئيس جمهورية قبرص التركية درويش أراوغلو ردا على أنباء حول ليونة في موقف حكومته واستعدادها لتسليم مدينة مرش المهجورة للقبارصة اليونان أن لا شيء بهذا الخصوص حتى الساعة، المفاوضات هي التي ستحدد مصير كل مادة تطرح على طاولة المحادثات، لكن خطوطنا الحمر معروفة لدى الجميع، التمسك بسيادتنا وبحق المواطنة، وأن تكون أنقرة هي الضامن لأي اتفاق نوقعه كما حدث عام 1959 في لندن وزور يخ، رسالة إلى العالم حول التمسك بتركيا
لكن هذا لا يحول دون الحديث عن العلاقات التي شهدت في السنوات الأخيرة صعودا وهبوطا بين أنقرة وليفكوشه نفسها حينما تحرك بعض مواطني قبرص التركية لرفع شعارات تطالب برحيل الجيش التركي أو هتفوا بانتقاد سياسات أنقرة حيال دولة شمال قبرص التركية، التي لم يعترف بها دوليا سوى تركيا رغم مرور أكثر من 30 عاما على إعلانها بسبب قرارات وتحذيرات مجلس الأمن الدولي المتصلبة في هذا الخصوص
الأتراك يقولون إنهم لن يتخلوا عن قبارصة الشمال مهما حدث، وهذا ما أشار إليه جميل شيشاك القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية وأقرب أعوان أردوغان، عندما ذكر الجميع أن الأتراك يدعمون ليفكوشه بمليارات الدولارات من المساعدات، تقدم لهم بمعدل 800 مليون دولار في العام الواحد
العقدة الأهم تبقى إسرائيل، برأي كيليش التي استفزتها الأرقام الضخمة حول احتياط الغاز المدفون في مكان قريب من حدودها المائية تحت قعر المتوسط، لكنها لا تستطيع استخراجه وتسويقه دون التفاهم مع دول مجاورة تريد أن تحمي حصصها هي الأخرى
ففي التقديرات الأولية كشفت شركتا بيرك الإسرائيلية وتيتشر نوبل عن وجود 450 مليار متر مكعب من الغاز في حقل ليبيتان الواقع قبالة السواحل القبرصية، تضاف إلى 224 مليار متر مكعب أعلنت نوبل اكتشافها في ذات المناطق العام الماضي، وهي لذلك تحركت باتجاه قبارصة الجنوب في إطار سلسلة من الزيارات توجت بتوقيع اتفاقية لترسيم حدود البحرية في ديسمبر 2010 سهلت المضي قدماً في عمليات التنقيب في المياه الواقعة بين البلدين، وهي ربما الرسالة الأهم الموجهة لأنقرة حول ولادة تحالفات وتكتلات تتجاوز مسألة العضوية القبرصية اليونانية في الاتحاد الأوروبي، وضرورة أن تعطي قرارها النهائي حتى لا تكون المساومات والصفقات على حسابها
ويقول الإعلامي التركي سليم صياري هي قبرص الجزيرة الحائرة والتي حيرت معها دول الجوار في السنوات الأخيرة بعد العثور على كنوز مدفونة في قعر المياه لا بد من استخراجها وتقاسمها دون مشاكل، فهل يتحقق هذا السيناريو أم أننا ما زلنا في بداية الطريق، وأن حل المشكلة القبرصية نفسها هو مفتاح الحل لبقية المشاكل التي تحيط بالجانب الشرقي لحوض المتوسط
حل الاتحاد بين كيانين مستقلين وجمعهما حول مفهوم مواطنة واحدة وسيادة واحدة ليس سهلا بعد هذه الساعة
أي نوع من الاتحاد سيكون الخيار الفدرالي في إطار منظومة سياسية ودستورية عليا كما يردد القبارصة اليونان أم الكونفدرالي الأكثر ليونة واستقلالية للكيانين، وهو ما يريده الجانب القبرصي التركي؟أزمة المساواة والسيادة والتحاصص التي انفجرت في مطلع الستينات مع إعلان دستور الجزيرة الذي أغضب القبارصة اليونان تعود مرة أخرى إلى الواجهة، من الذي سيقنع الآخر برأيه السياسي والدستوري، أم أن مليارات الدولارات من مصالح النفط والغاز هي التي ستحسم كل هذه المسائل وتنجح في إقناع الجميع؟الأكاديمي التركي جنكيز أكتار المتخصص في الموضوع القبرصي يرى أن الفشل هذه المرة لن يعني تجميد الخلافات وإبقاءها على حالتها، فاللاعبان الإقليميان، والدوليان لم يعد بمقدورهم الصبر والانتظار، خصوصا أوروبا التي تريد الاستفادة من مصادر الطاقة الجديدة، وإسرائيل التي تخطط للخروج من عزلتها في المنطقة بلعب ورقة اقتصادية استراتيجية من هذا النوع مع دول الجوار العربي، وقبرص وتركيا في الوقت نفسه
الأكاديمي والكاتب التركي منصور أرغون يردد أن محاولات كثيرة فشلت على طريق حل الأزمة القبرصية، أهمها كان عام 2004 مع تحرك الأمم المتحدة، ومشروع كوفي عنان الذي رفضه القبارصة اليونان، وأيده الأتراك في استفتاء عام
ثم تحرك جديد مع التغير السياسي في قبرص الشمالية بعد استبعاد صقور السياسة هناك، وعلى رأسهم رؤوف دنكطاش عام 2008، وأخيرا محاولة ثالثة فشلت في مهدها قبل عامين بسبب تصلب الطرفين في مواقفهما المعروفة رغم دخول قوي للاتحاد الأوروبي على خط الأزمة
أسباب التفاؤل والتشاؤم تقف على خط واحد هذه المرة، أيضاً هناك أكثر من سبب يدفع أطراف النزاع لإنهاء خلافاتهم، كما أن هناك أكثر من سبب يقود أصحاب المصالح للتشجيع على عدم مغادرة طاولة الحوار تركيا ويونانيا، لكن مصالح وحسابات لاعبين آخرين ستتضارب حتما مع ما يجري، وفي مقدمتهم إيران وروسيا اللتين تبحثان عن حصة من قطعة الجبن التي يجري التفاوض حولها
التانغو القبرصي.. هل من فرص؟
8 دقائق للقراءة

حجم الخط
