لا يختلف اثنان على أن الفوضى المرورية وما ينتج عنها من حوادث وما تخلفه من إصابات وخسائر أحد أهم المشكلات التي تستنزف الطاقات البشرية، والموارد المادية، والتي أصبحت هاجسا وقلقا لكل أفراد المجتمع، الأمر الذي حفز المختصين في الهندسة المرورية إلى إجراء الدراسات للبحث عن أفضل السبل للحد من تلك الفوضى، والوصول إلى حالة من الانضباط في حركة المرور تقل معها نسبة الحوادث وبالتالي تقليل نسبة الفقد المادي والبشري، مما ينعكس أثره على تحقيق التنمية

...

وفي بلادنا سعت الجهات المختصة بالشأن المروري إلى العمل على الحد من مظاهر الفوضى المرورية التي تعج بها شوارعنا من خلال إيجاد الوسائل الرقابية التي تسهم في تطبيق ما يفرضه نظام المرور من قواعد وواجبات، وبالتالي الحد من المخالفات المرورية، ومن تلك الوسائل نظام المراقبة والضبط الالكتروني والذي عُرف بنظام (ساهر)
ونظام (ساهر) من حيث المصطلح النظامي ليس قانونا قائما بذاته، ولا يمكن اعتباره كذلك، على الرغم من أن الكثير من الكتاب تحدثوا عنه على أنه كذلك
ونظام ساهر في حقيقته نظام إلكتروني ووسيلة من الوسائل الإجرائية المستحدثة لتطبيق قانون (نظام) المرور، مثله مثل ما عرف في فترة سابقة بنظام الضبط عن طريق الرادار

...

ولو عدنا بعجلة الزمن إلى الخلف قليلا، حيث بدأت الجهات المختصة بالتعريف بهذا النظام والحديث عن قرب تدشينه، وما يمكن أن يحدثه من نقلة نوعية في ضبط حركة المرور وأنه سيسهم في تلاشي المخالفات، وما واكب ذلك من تفاؤل بقرب تطبيقه نظرا لما يمكن أن يحققه هذا القادم الجديد من نتائج إيجابية على صعيد السلامة المرورية، خاصة في ظل الارتفاع المهول في حوادث السير وما نتج وينتـج عنها من وفيات وإصابات ومآس

...

كل ذلك جعلنا نعيش الفرحة الممزوجة بأمل جميل يدفعنا نحوه واقعنا المروري المؤسف، وتزفنا نحوه رغبة أكيدة في أن نتخلص من فوضى مرورية عارمة، ومن هاجس الحوادث وقلق الفقد لصديق أو قريب أو زميل، ثم بعد ذلك لنستمتع بقيادة آمنة عندما نحتاج إلى أن نتنقل في شوارع مدننا
وما إن بدأ تشغيل نظام الضبط الالكتروني (ساهر) حتى بدأت حدة الضغط النفسي الذي كان يتملكنا عند قيادة مركباتنا بالانخفاض تبعا لانخفاض المخالفات المرورية الذي نتج عن احترام مفروض من كثير من مستخدمي الطريق لهذا النظام وآلياته

...

وزادت تبعا لذلك نسبة الأمل ترافقها أمنية بأن يعمم النظام على كافة مناطق ومحافظات المملكة ليضفي مسحة جمالية على شوارعها من خلال ضبطه لسلوك السائقين، ومساهمته في انسيابيـة حركة المرور ومرونتها، ورغم مساحة الأمل الكبيرة التي أوجدتها بداية تطبيق النظام لدى الكثير من الناس تعالت بعض الأصوات المعارضة لتطبيقه ممن لا يحترمون النظام ولا يقيمون له وزنا

...

وحقيقة أقول إنني وعلى المستوى الشخصي تمنيت أن يكون مع كل مركبة كاميرا متحركة تراقب حركتها، وتضبط سلوك قائدها، ليقيني بأننا حينها سننعم بسلامة مرورية مؤكدة بإذن الله
ولكن.. ومع امتداد الرقعة الجغرافية التي شملها تطبيق النظام بدأ الأمل في نجاعته بالتلاشي وبدأ الحلم في نتائجه الجميلة بالأفول، ذلك أن أسلوب تطبيق وتنفيذ هذا النظام، على الرغم من جمال فكرته وسمو هدفه، أفقده قيمته وأضاع الأمل من وجوده.