مجتمعاتنا العربية عموما تتميز بالمحافظة مقارنة بالمجتمعات الغربية، فيندر عندنا أن يعيش الشخص دون التزامات أسرية أو مناطقية، خلافا للمجتمعات الغربية التي تجنح إلى الفردانية
جوهر الفردانية هو تحقيق الاستقلالية لكل فرد بعيدا عن أي ضغوط خارجية قد تؤثر على قراراته، باستثناء القانون، والقانون ذاته تم وضعه على أساس حماية الاستقلالية الفردية والحرية الشخصية، لدرجة أنه قد يمنع الأب من التحكم بأبنائه حين يصلون سن الـ18 مثلاً، الشيء الوحيد الذي يقيده القانون هو الإضرار بالآخرين
نقف حائرين أمام كثرة سلبيات استقلالية وحرية المجتمعات الغربية خصوصاً في الجوانب الاجتماعية؛ وكثرة إيجابياتها بالمقابل خاصة في النواحي الشخصية التي نفتقر جداً للمراعاة فيها، نفخر بمحافظتنا الاجتماعية وأماننا العائلي، لكننا نشتكي من عجزنا عن تحقيق الأهداف الخاصة أو اتخاذ القرارات المصيرية دون التفات لضغوط مثل «كلام الناس» أو «رغبات الوالدين» التي قد تؤدي للضرر أو تفويت المصلحة
يحتاج مجتمعنا إلى تعزيز الاستقلالية الفردية دون افتراض النتيجة السيئة، على الزوج السماح لزوجته بمساحة أوسع، ولأبنائه باستقلالية أكبر، على الزوجة احترام صمت زوجها أو عزلته، على الأصدقاء تقدير ظروف أصدقائهم دون خوض فيهم، علينا تربية أنفسنا وأبنائنا وتثقيف من حولنا بمدى بشاعة (التلقُّف) في شؤون الآخرين حتى لو كنا نعدهم مقربين، فالإنسان يحتاج أحياناً للخصوصية واجتناب المشاركة سواء كانت المشاركة تدخلاً في شؤونه بالقوة والعنف أو تطفلاً عليه باللين واللطف، ولا شك أن اللوم والتشكيك ونشر الشائعات كلها أساليب قوة وعنف
إن عدم تقدير الحاجة للخصوصية والاستقلال يؤدي لازدياد الشاطحين على القيم والأديان كنتيجة طبيعية للضغط، فيصبحون أسوأ من المنفلتين في الغرب نفسه، وقد لا يكون المتمرد مقتنعاً بكل ما يفعله، لكن يفكر: «ما دمت سأقع تحت نير التصنيف كمتمرد شاذ لو استقللت برأيي في جزئية، فلم لا أكمل تمردي وأحظى بكل المُتع؟»
وعلينا ملاحظة أن ترك إزعاج الآخرين بالتدخل في شؤونهم، يختلف عن (تجاهلهم)، فالتجاهل يوصف بأوصاف تتدرج من العيب -كتجاهل اليد الممدودة للمصافحة- إلى الحرام -كعقوق الوالدين-، ومنه ما هو جريمة جنائية كمن يرى موشكاً على الموت عطشاً ولا يسقيه، عندنا كثير من القواعد الدينية والاجتماعية التي توصلنا لصيغة مقبولة نمارس بها الحرية والفردانية، والباقي يعتمد على تدريب النفس وحبسها عن شهوة (اللقافة)، لنفكر كأحرار، ولكن في نفس الوقت: كَنُبلاء