حين تكون القيم الغربية الشاطحة باتجاه واحد، وهو استفزاز مشاعر المسلمين وتشويه الإسلام، هي المسيطرة على المشهد الثقافي والإعلامي الأوروبي والغربي إجمالا، مع ما يصاحب ذلك من أحداث ساخنة في المنطقة الإسلامية والعربية، وهي أحداث للغربي فيها اليد الطولى صنعا وإدارة، فلا يمكن التنبؤ بحجم ردود الأفعال ولا صورتها ولا حدودها، فهناك وتحت زخم هذا الحيف والضغط والاستخفاف لا يستطيع أحد ادعاء قدرته على إبقاء ردود الأفعال عند حدها المنضبط أبدا، وحين تقرأ ما جرى في باريس الأسبوع الماضي من هذه الزاوية تحديدا فإنك وبلا تردد ستتوجه باللوم وتحميل المسؤولية أولا وقبل أي نتائج حقيقية أو مستنبطة إلى الاستعلاء والصلف الغربي والفرنسي في التعامل مع السلوك الذي تبنته صحيفة دأبت على استفزاز مشاعر المسلمين في أعظم مقدساتهم مرارا وتكرارا بما يتجاوز حدود الحرية المسؤولة ويتخطى الأعراف السياسية، وأرجو ألا يتشدق أحد بقداسة حرية الصحافة الغربية واستحالة تقييدها فكل متابع يعلم أن ثمة قضايا لا يمكن أن تمسها صحيفة جادة ولا ساخرة وليست محاكمة جارودي بسبب إنكاره للمحرقة عنا ببعيد، وحين يصل الأمر بمنطق السياسة المعروف إلى تعريض الأمن القومي لمشكلات فإنهم يقيدونه بدون أدنى تردد، فكيف يمكن تقبل بقاء هذه الصحيفة مستمرة في ذات اتجاهها الصادم مع اضطرار فرنسا قبل عامين إلى إغلاق أكثر من عشرين سفارة ومركزا لها حول العالم خشية من ردود الأفعال جراء نشر هذه الصحيفة رسوما مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والعجيب أن النفس الغربي السائد لا يأبه ولا يقيم لغضب هذه الشعوب الإسلامية الممتدة عبر الكرة الأرضية وزنا بل يفترض أن تستسلم هذه الشعوب لقيمه ومبادئه هو قبل أن تغضب لدينها وكرامتها، أنا هنا لست مع ما جرى في باريس ولا مع انتهاج هذا الطريق لما فيه من مفاسد ولما له من آثار سلبية خطيرة، ولكن حين نكون في موقف التحليل لواقعة معينة ونتعرض للبحث في أسبابها فيجب أن نكون صادقين مع الحقائق كما هي، ولا بد أن يفهم الغربي بوضوح تام بأنه ليس الوحيد في هذا الكون وأنه لا يملك الحق المطلق ولا الحرية التامة في إيذاء الأمم والشعوب الأخرى، وأنه حين يتجاوز ذلك فلن يأمن من آثار ردود الأفعال التي ستقع، وإن تأخرت بحسب قانون التدافع البشري، وليهدأ قليلا بعض مثقفينا حين يقرأ مثل هذا الكلام فقد خرجت أصوات غربية عديدة خلال الأسبوع الماضي تلقي باللائمة فيما جرى على المسلك الذي سارت عليه تلك الصحيفة باعتباره متجاوزا ومستفزا ولا يتوقع أن يمر بلا رد، وهذا النقد الذاتي لدى القوم وإن كان خافتا فإنه يجب أن يشجع جميع من شجب تلك الحادثة أن يقول شيئا حول الأسباب التي أدت لوقوعها.