في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، عندما كنت لا أزال في بدايات عملي كمراسل صحفي، كان الخبر العالمي الأول في تلك الفترة هو الحرب في منطقة البلقان. كثيرون من زملائي الصحفيين استطاعوا أن يحققوا شهرة خلال تغطيتهم لمجريات تلك الحرب وتأثروا بها كثيرا.
الأمر الذي لم يكن حافزا لبعضهم على الأقل هو الرغبة في أن تكون أسماؤهم على الصفحات الأولى للصحف العالمية أو الظهور في مطلع النشرات الإخبارية في فترة الذروة المسائية، لكن حافزهم الأساسي لهؤلاء القلة كان رغبتهم الخالصة في جعل العالم يعرف ما كان يحدث. بعض هؤلاء الزملاء كانوا يعتقدون أن العالم سوف يفعل شيئا بالتأكيد بمجرد رؤيته للفظائع التي كانت تحدث في البوسنة.
ربما كان الذين كتبوا تقرير الأمم المتحدة الأخير حول حقوق الإنسان في كوريا الشمالية لديهم نفس الدوافع والحوافز. هم يستطيعون أن يشعروا بالرضا لأنهم، بفضل دراستهم التي جاءت في 372 صفحة، أوصلوا الصورة واضحة إلى العالم ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه لم يكن يعرف بأمر الفظائع التي تُرتكب هناك. هم كتبوا ما يحدث في كوريا الشمالية بتفاصيل مقززة: التعذيب، التجويع المتعمد، الإعدامات التي تم تنفيذها في شبكة من معسكرات الاعتقال. الحالات الشخصية تفطر القلب: الطفلة التي لم يتجاوز عمرها سبعة أعوام التي تعرضت للضرب حتى الموت بسبب بضع حبات إضافية من الطعام؛ الصبي الذي قُطعت أصابعه لأنه أوقع بدون قصد آلة خياطة في المصنع الذي كان قد أُجبر على العمل فيه؛ والأمر الذي يصدم أكثر من أي شيء آخر، الأم التي أُجبرت على إغراق طفلها الذي ولدته للتو في وعاء من الماء. الكاتب الرئيسي للتقرير، مثل أولئك الزملاء الصحفيين القدماء الذين تحدثت عنهم، يأمل بوضوح أن الأدلة قد تم شرحها وتقديمها بشكل كاف، ولا بد أن المجتمع الدولي سيفعل شيئا ما حيال ذلك. يقول القاضي الأسترالي المتقاعد مايكل كيربي: “الآن يعرف المجتمع الدولي ما يجري. لن يكون هناك عذر لعدم القيام بعمل بحجة أننا لا نعلم. لقد مضى على الأمر وقت طويل. معاناة ودموع الشعب في كوريا الشمالية تستحق عمل شيء ما”.
ولكن إلى أي مدى يمكن أن يكون القاضي مايكل كيربي واثقا أن هناك عملا ما سيأتي بعد تقريره؟ أي خطة للأمم المتحدة –حتى لو كان ذلك إحالة كوريا الشمالية إلى محكمة الجنايات الدولية- ستصطدم مباشرة بعقبة الفيتو الصيني في مجلس الأمن الدولي. الصين، في نهاية المطاف، متورطة في الفظائع التي تُرتكب في كوريا الشمالية: عندما يتمكن بعض الكوريين الشماليين بشكل ما الهرب عبر الحدود إلى الصين، فإن سياسة السلطات الصينية تتلخص بإعادتهم بشكل مباشر.
الحكاية نفسها تتكرر في سوريا. مضى أقل من شهر على نشر تقرير شرح بالتفصيل معاناة المعتقلين لدى سلطات نظام الأسد وقدم أدلة شاملة على ذلك. ذلك التقرير، مثل التقرير الأخير حول كوريا الشمالية، شرح تفاصيل ارتكاب جرائم القتل من خلال التجويع والقتل والتعذيب، وأرفق التقرير بصور مروعة لأجساد هزيلة جدا. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، تحدث الذين كتبوا التقرير عن التشابه الفظيع بين هذه الجرائم وما كان النازيون يرتكبونه في أربعينيات القرن العشرين. ومع ذلك هل تسبب ذلك التقرير ببروز مطالبة عالمية للقيام بعمل ما، مع مظاهرات خارج البرلمانات والقصور الرئاسية؟ لم تفعل ذلك. ربما لأن العالم يعرف أن أي دعوة للأمم المتحدة للقيام بعمل ما سوف تتعرض للصد بفيتو روسي، جعل رد العالم الرئيس هو هز الكتفين بلا مبالاة. ربما هذا ما يعنيه أن نعيش في عالم ما بعد التدخل. قليلون هم الذين يطالبون بعمل شيء ما في كوريا الشمالية وسوريا، لأننا نعرف أن ذلك لن يحدث. في تسعينيات القرن العشرين، الذين شعروا بالغضب من الحرب في البلقان كانوا يستطيعون أن يعتقدوا أنهم إذا صرخوا بصوت عال بما يكفي، فإنهم سيجبرون القوى الدولية على القيام بعمل ما في النهاية –وهو ما حدث بالفعل في النهاية. الآن، بعد العراق وأفغانستان، اختفى ذلك الاعتقاد. في بريطانيا، وصل المخططون العسكريون إلى نتيجة أن البلد متعب من الحرب لدرجة ستجعله لا يؤيد أي عمل عسكري آخر. في الولايات المتحدة، يبدو أن سياسة الرئيس أوباما الخارجية تستند إلى افتراض مماثل. قليلون يتحدثون الآن عن فكرة كان يبدو في يوم ما أنها ستعيد صياغة العلاقات الدولية، “مسؤولية الحماية”.
إن الوقت الحالي مثالي ليكون الحاكم دكتاتورا، جلادا، أو رئيس جلادين في نظام وحشي. العالم سيترككم تتابعون القتل –حتى عندما يعلم تماما ما الذي يجري.
* الجارديان

