يبقى ولاء عدد من الأطفال وعصيانهم التخلي عن إرثهم اللغوي، الذي ظلوا متسلحين به حتى آخر لحظة، ذاكرة ذيلت بعبارة «رشقوا بشظايا ثائرة»
فحين فتحت شرطة «دكا» عاصمة بنغلاديش، النار كمبادرة غاشمة بررت بها امتعاضها، لم تكترث لمناداة التلاميذ الأبرياء الذين خرجوا محتجين للمطالبة بالاعتراف بلغتهم الأم «البنغالية»، كواحدة من لغتي البلاد الرسميتين لما كان يعرف آنذاك بباكستان
دفاع أولئك التلاميذ عن لغتهم، تجسيد لما أعرب عنه اللغوي ابن جني، في حديثه عن «الألسن الأم» حين قال: «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»، ما يعني أن لكل بقعة على الأرض جذورا لغوية هي في الغالب موروثات حضارية، تمثل قوة الشعوب وتنوعها الثقافي
وفي ظل تنامي الأسهم المصوبة نحو غالبية الشعوب والتي تفضي بإهدار دماء حضارتها، واقتلاع جذورها اللغوية، يظل السؤال المباغت للعقل، كيف تحمي الشعوب لغتها الأم؟فاللغة ضرورة اجتماعية لا يستغني عنها البشر، ومنذ التقى الإنسان أخاه الإنسان عمد إلى اختلاق قواسم مشتركة، من المؤكد أنها توالدت من نهم الحاجة للتفاهم، حيث كانت اللغة الصوتية السبيل الذي تبددت به طلاسم الحناجر، لتلتحم بمرجعية الأم الواحدة

زهايمر اللغات

الشيخوخة السامة التي تستوطن شريان اللغات، تظل تتبعها لتصيبها بالزهايمر الحضاري، ثم تودي بها في زنزانة الحياة، فلا تعود شعوبها تعي قيمتها ولا مدى أهميتها، وتحفل بالظمأ النطقي والفقر المجتمعي، هذا ما يتربص «باللغات الأم» من عوامل تسعى لهدمها وإضعافها
على سبيل المثال فقد أشار تقرير لليونسكو في 2006، إلى أن هناك لغات ستخلد وتبقى في الصدارة على عرش البقاء، فيما ستلقى العديد من اللغات حتفها من بينها «العربية»
في حين تؤكد دراسة أجراها فريق علمي غربي بإحدى جامعات لندن، أنه عند نهاية القرن الحالي لن تبقى سوى ثلاث لغات فقط، على رأسها اللغة العربية، إضافة إلى الإنجليزية والصينية
وأشارت الدراسة إلى أن «الإنجليزية» التي تهيمن الآن على العالم، قد دخلت عمليا مرحلة شيخوخة واعوجاج، غير أن وفاتها لن تكون كوفاة معظم اللغات، إذ ستموت من الألسن، بمعنى أنها لن تكون لغة الحديث إطلاقا، لكن سيُبقى عليها لغة الكترونية للعلم فقط
أما «الصينية»، فرغم عراقة تاريخها وتعدد أصواتها وحروفها، إلا أنها تعتبر لغة معوَّقة لما اعتراها من عيوب تتعلق بوضعية الضمائر، وابتعادها عما أطلق عليها الباحثون «فطرية التعبير الزمني»، الماضي والحاضر والمستقبل
لذا كان من الأجدر للشعوب، وتحديدا ما عرض منها في الجزء الأوسط من مجهر «انقراض الجذور»، التصدي لكل الفجوات التي لا تبث سوى سم الغزاة القاتل، فالانتماء للغة بعينها لا يعني مجرد العبث بها على حافة اللسان بل الاعتراف بها والدفاع عنها

اللغة الأم في كلمات

الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الدكتور عبدالله الوشمي، لا يؤمن بما يتداوله البعض عن موت «الألسن الأم»، مبررا ذلك بضعف استخدامها أو بعض التطبيقات الأخرى المصاحبة لها في مجال محدد، لكنها تنشط في المقابل في مجالات أخرى
ويضيف الوشمي أن «يوم اللغة الأم» هو يوم تحتفي فيه المنظمات والشعوب «بمبدأ اللغة»، صحيح أن مسيرة الاحتفاءات العالمية لم تغفل عن لغتنا العربية، لكن بإمكاننا أن نسخر هذا اليوم للاهتمام بها ضمن المسارات الدولية
«العربية»، استطاعت أن تكون لغة الحضارة الأولى في الزمن الماضي، ولكنها الآن تنافس غيرها في الوصول إلى مختلف المنظمات العالمية، الوشمي الذي يفخر بلغته الأم، يؤكد أن ملامح الإضافة النوعية «للأم الناطق بها» تمثلت في زيادة عدد المهتمين بها اليوم عن السابق، حيث يزداد التحدي في الوقت الحاضر نظرا لبوابة التقنية الجارف الذي يهدد عددا من اللغات