(أدب الخلاف) تكلم فيه كثيرون، وهو من المواضيع التي يُعرّج عليها الكتّاب لا سيما المتحاورون فيما بينهم، لعلمهم أن الأدب في الخلاف يقوم عليه أساس الألفة بين أفراد هذه الأمة المحمدية التي قال عنها المولى سبحانهُ وتعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) فإن الوسطية في جميع الأمور تكون ما بين إفراط وتفريط
ولا يكون هُناك إنصاف في مسائل الخلاف إلا بالعدل بين المختلفين قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} إن من أعظم أسباب الخلافات الناشئة بين العاملين وخصوصا في مجال الدين وخدمة الدعوة إلى الله هو الجهل بأدب الخلاف وهو الذي أثمر الفشل وذهاب الريح
فإن آداب الخلاف في الإسلام يفرض علينا أن لا نسيء الظن بأخينا المسلم لمجرد أن رأيه قد خالف آراءنا، أو أن اجتهاده خالف اجتهادنا أو لكونهِ قلّد أحدا من أئمة الإسلام، بل علينا أن نحسن الظن به وأن نحمل رأيه واجتهاده وتقليده محملا حسنا
فإن لنا في رسول الله وصحابته الكرام أسوة حسنة، روى الحاكم والبيهقي في السنن قول علي رضى الله عنهُ وكرم وجههُ لعمر بن طلحة بن عبيدالله، وكان بينه وبين طلحة خلاف يوم الجمل: (إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك في الذين قال الله عز وجل فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم منْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَـابِلِينَ} وقال يونس الصدفي: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيتهُ فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة؟)
وقال سلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام رحمه الله في كتابه (شجرة المعارف والأحوال) ص379: (الإنكار متعلق بما أُجمع على إيجابه أو تحريمه، فمن ترك ما اختُلفَ في وجوبه أو فعل ما اختُلِفَ في تحريمه: فإن قلَّد بعض العلماء في ذلك فلا إنكار عليه، إلا أن يُقَلِّده في مسألة ينقض حكمه في مثلها)، قال النووي في شرح مسلم: (ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما ما اختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأنه على أحد المذهبين: «كل مجتهد مصيب» وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم)، والأجمل منهُ قوله: (ليس للمفتي ولا القاضي أن يفرض رأيه على من خالفه إذا لم يخالف نصا ولا إجماعا أو قياسا جليّا)
وهذا ابن تيمية رحمهُ الله يقول عن علماء المسلمين كما في الفتاوى المجلد الرابع صفحة 172–173:(كانوا يتناظرون في المسائل العلمية (العقدية) والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمةٌ ولا أخوة)
وقال الحافظ الذهبي في السير: (ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق)
ومن خلال ذلك أقول: إنهُ لزاما على من تحلى بأدب الخلاف ألا يرمي الرأي الآخر باتهامات دون أيما دليل أو حجة كما يفعل البعض أصلحهم الله
ولا أدري متى سنصل إلى مرحلة تقبّل وجود رأي مخالف، ولاحظوا أنني أقول (وجود رأي مخالف) لأن هناك صنفا من الناس وللأسف الشديد لا يقبلون مجرد وجود آراء مُختلفة كما يتقبلهُ البعض الآخر، وبذلك لا يستطيعون التعايش مع هذه الحقيقة، والسبب في ذلك أن مثل هذا الصنف من الناس يُنزل فهمه للنصوص الشرعية منزلة النص الشرعي!ومن خلال هذا الطرح المتواضع فإنني أتساءل: هل من الممكن أن يكون أحد أسباب تكفير وتبديع وتفسيق المخالف هو الجهل بأدب الخلاف، والانطوائية في التلقي عن فكر معين أو مشرب معين؟ وهل للجهل بأدب الخلاف دور في ظهور أصحاب الفكر الإقصائي والجماعات المتطرفة؟ وهل للجهل بأدب الحوار دور في ممارسة الحجر الفكري من بعض الناس على فئة أخرى منهم؟