مهما سخرت من البدو فلن تبلغ قوله تعالى “الأعرابُ أشدُّ كفراً ونفاقاً..” ولكن لأن الأعراب لا يقرؤون القرآن ـ ولا غيره ـ ارفع صوتك بهذين البيتين المتواترين بعدة روايات:البدو من عهد النبي والصحابة * ما قِيل مذهبهم يوافق لمذهبْك:إمَّا تِشَطَّر (تبتعد) ياخذونك نْهابة * ولاَّ يِخَاوُونَك يِحِتُّون (يفنون) مِزْهَبْك!أما الشاعر فقد ظللنا سنين طويلة نحسبه الشريف/ بركات، ولهذا لم نستغرب أن يهجو البدوَ لما ذاقه الحاضرة منهم؛ والصراخ على قدر الوجع! ولكن البيتين ـ برواياتهما المختلفة ـ للشاعر الكبير/ بدويوي بن جبران الوقداني العتيبي! ولو قالهما ينصح (ابن عون) أو أحد زعماء العقيلات في عصره لكان شاعراً يتملَّق ممدوحه السخي على حساب ربعه! لكنه قالهما ناصحاً ابنه “عبدالعزيز” في مقطوعة مطلعها:عبدالعزيز القرم يا سبع غابه * ويش الذي في صحبة البدو نشَّبْك؟!ولو كان يقصد قبيلةً بعينها لسماها بل ولوجب عليه حسب النظام القبلي الصارم أن يخص المجموعة التي عناها، لكنه أراد هذا التعميم مع سبق الإصرار والترصد، ولئن كانت الآية الشريفة تصف الفكر البدوي (البداوة) فإن (شاعرهم) أراد أن يسجَّل سلوكهم الحيوي الاجتماعي! والفكر والسلوك كلاهما يهرب إلى الأسهل من الأصعب، ويعمد إلى الهدم بدل البناء! فيغزو أو (يُحَنشِل) بدل أن يقايض ويتاجر، ويسترفد (يشحت) بدل أن يلوِّث يديه بصنعة!وحيث إنه توفي سنة (1296هـ) فلا بد أن نؤكد ونشدد أنه يقصد أجدادنا المغاوير الحقيقيين وقد انقرضوا وخلف من بعدهم هذا الجيل المهايط بأمجاد لا يستطيع العقل قراءتها (إلاَّ وفي يده من نُتْنِهَا عودُ) كما يقول العنصري (الكذاذيبي) الأكبر!جيلٌ أخذ من أجدادنا أسوأ ما نضحت به البداوة من تخلف وعنصرية، وبدل أن يصعد إلى الحضارة لم ولا ولن يخجل من أن يجرَّها إلى حضيضه!

[email protected]