هي أول القضايا التي واجهت الإنسان المسلم، ولا تزال هذه القضية مؤثرة في المسلمين في سلوكياتهم الشخصية والعامة، وفي فاعليتهم وإنتاجهم ورؤيتهم للحياة وللعالم. وزاد الطين بِلة سيطرة بعض الفقهاء عليها وجعلها منطقة حرجة ممنوعاً الخوض فيها وحولها. ساند ذلك ما تم من استثمار القدر طائفياً لأغراض خلّط فيها التاريخ وخبّط.
ونتيجة لذلك أصبح الإنسان ـ المسلم ـ يعتقد نفسه مع القدر أمام مخطط جاهز يجب عليه تنفيذه! وأصبحت حياته قصة مكتوبة عليه أن يسير فيها إلى الفصل الأخير ثم يودع الحياة. مما خلق له إشكاليات مستدامة مع (الأسباب، التغيير، الأحداث) فهل يسير مع ما يعتقد ـ غلطاً ـ ويخرج من حركة الحياة! أم أن عليه أن يمارس حياته ويتجاهل المخطط القدري الذي قيل له إنه لا يتغير! وهو يراه يتغير مع كل حركة كونية وحياتية.
واليوم وقد كشفت الحياة قوانينها، وأصبحت المعلومة الدينية حول القدر ليست حكراً على الفقيه ومدرسته وطائفته، وفي الوقت نفسه كشف العلم عن نظريات ما بعد النسبية وما بعد الفيزياء الكلاسيكية، كشف عن فيزياء الكم وما نتج عنها من الظواهر الكمية التي بموجبها هجر العلماء مبادئ تقليدية من نحو (الحتمية والصدفة و...) الأمر يجعلنا في الإسلام أمام مسؤولية الوعي الجديد بالقدر وأن نطرح أسئلتنا الجريئة ونعيد قراءة النصوص المقدسة بفهم يدرك الوعي العلمي.
وسنجد أن آيات القرآن والصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتعارض معها العلم، وإنما التعارض كان في فهم الفقيه والمعلم! ومن المؤكد أننا إذا فعلنا ذلك سوف نقف على سر التراجع الحضاري للإنسان المسلم الذي لم يتعرف بطريقة صحيحة على قوة القدرة الإلهية وكيف يكون تأثيرها في حركة الإنسان (الجسدية والعقلية والنفسية)
فالله تعالى له القوة العظمى والقدرة التامة والعلم والحكمة وهو خالق كل شيء ومقدره
وقد خلق أفعال العباد وجعل لهم مشيئة وإرادة ومنحهم حرية الاختيار بين كل شيء، بين التقدم والتأخر: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) وبين الهدى والضلال: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) حتى بين الإيمان أو الكفر به جل جلاله (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) كل ذلك ليجد الإنسان نفسه أمام الحرية الكاملة والمسؤولية التامة أمام حياته وجودة عمله (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).
ومن كمال جلال الله وجماله أنه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وتتغير أقداره فهو سبحانه (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ). والإنسان مشارك في صنع قدره وكلما تغير تغيرت أقداره (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ). فالقدر ليس ضد أحد من البشر بل يتماثل مع ما يحملونه بداخلهم، ولا يظلم ربك أحداً