إذا كنت تعرف أن النانو هو جزء واحد من مليار جزء من المتر فهذا شيء جيد، لكن تحتاج أن تعرف أيضاً أن التقنية التي نعتبرها الآن مستقبلاً جديدا للعلم والصناعة كانت قد خطرت قبل الميلاد بأربعمئة سنة تقريبا في بال العالم اليوناني ديموقريطس عندما اعتقد بوجود جسيم متناهي الصغر وغير قابل للانشطار، غير أن أرسطو ورفاقه حاربوا الرجل ونظريته، حتى تم تجميدها لمدة أحد عشر قرناً، قبل أن يكتشف العالم فيما بعد أن هذه الفكرة تحديداً ستغير نظرته إلى نفسه
لم تكن هذه المعلومات سوى جزء يسير مما ذكره الأكاديمي الفيزيائي الدكتور يحيى أبو الخير في محاضرته بالمقهى الثقافي في الرياض، والتي تحدث فيها عن الذرة والنانو، بحضور مجموعة من المهتمين، وتناول فيها تأثير هذه التقنيات على العالم خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن علماء الفيزياء أبدعوا بشكل واضح خلال السنوات القليلة الماضية في التعمق داخل هذا العلم، حيث عملوا على مواكبة النظريات بالتطبيق في مختلف دراساتهم
وأشار المحاضر إلى ضرورة تخصيص الدعم المادي للبحوث العلمية، مبدياً أسفه على عدم دخول أي مركز بحثي أو جامعة عربية في الأبحاث الخاصة بنظريات مهمة ومؤثرة مثل «أوزون هيقز»، في وقت خصص فيه البيت الأبيض سبعة مليارات دولار من أجل بحث واحد حول الفصل بين نظريتين
وإذا كان أنشتاين يعتبر الضوء مصدر المعلومات الأهم في العالم، فقد سلط أبو الخير الضوء على أشياء كثيرة يفترض أن يعرفها الناس عن النانو، فهذا الجسيم يستطيع أن يدخل إلى جسم الإنسان ويخرج منه بعد أن يقوم بنفس ما يقوم به الجراح في العملية الجراحية، كما أنه قادر على إنتاج 800 ألف حبة طماطم مثلا، من مجرد بذرة واحدة، كما أنك لن تتخلص من نفاياتك المنزلية في وجود تقنية النانو التي ستكفل لك تحويلها إلى مواد ومنتجات مفيدة تستخدمها في حياتك اليومية، بالإضافة إلى استخدامات أخرى سيكون فيها الحاسب بحجم رأس الدبوس، حيث يكون حاسبك الشخصي هو مقدمة القلم الذي تحمله فقط، والذي يمكنه أن يفعل لك كل ما تريده من مهام وتواصل وتطبيقات تقنية، كما لن تكون ثمة حاجة إلى الكاميرات في المراقبة في وجود جسيمات النانو غير المرئية التي تستطيع الدخول إلى أي مكان والكشف عن أي شيء، ولن يتوقف الأمر هنا، حيث سيعاد تعريف الحروب بالكامل، بمجرد الحديث عن «الدبابات النانوية» والتي تملك القدرة على أن تهزم جيشاً يملك أضعاف ما تملكه أعتى الجيوش التقليدية الحالية
وذكر أبو الخير أن أحدث اهتمامات علماء الفيزياء حاليا هو القبض على جسيم الجاذبية، وإذا حدث ذلك فسيختلف شعورنا بالعالم، مؤكدا على إيمانه بأن العلم ينمو بالتأمل، وبأن عصر الفيزيائيين العباقرة لم يتوقف عند نيوتن وأنشتاين، بل ظهرت أسماء في العصر الحديث قدمت نظريات علمية لا تقل أهمية عمن سبقوهم
أبو الخير الذي ربط في أكثر من موضع بين اكتشافات علمية وبين النصوص القرآنية التي أشارت إليها قبل أربعة عشر قرناً، شدد على ضرورة أن يولي العرب والمسلمون هذا الجانب أهمية قصوى، معلقا «هذه الفتوحات جميعها موجودة في كتاب الله الكريم، وتقديمنا لهذه الفكرة للعالم كفيل بأن يجعل المسلمين دعاة جددا باسم العلم»
وقد ذكر المحاضر أن القرآن الكريم ذكر الذرة في ستة مواضع، والمثقال في 29 موضعاً، كما استشهد في هذا الجانب بآية يرى أنها تتناول كل ما يتعلق بتقنية النانو والنظريات الفيزيائية حول الأجسام متناهية الصغر، وهي قوله تعالى «وَما يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ»