ترجع فكرة الأحزاب السياسية الإسلامية، في بعض الدول الإسلامية إلى حقبة السبعينات، عقب فشل محاولة استرداد الخلافة الإسلامية، حيث سعت بعض الجماعات والأفراد التي استساغت لنفسها تزعّم رفع راية حماية الإسلام منفردة عن السواد الأعظم من المسلمين، انطلاقا من (أيدولوجيات تكفيرية لمخالفيهم، ولم تجد تلك الجماعات وسيلة أفضل من فكرة الأحزاب السياسية الإسلامية التي تغلب على أنشطتها الصراعات والفتن والمصالح الشخصية، والتفكير السطحي، والجهل المركب بتطبيق قاعدة الشريعة الكبرى)، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التزاحم
وكان ذلك تحت شعار (التعدد السياسي الإسلامي)
وكان من طبيعة الحال التماس المسوغات الدينية لإقامة الأحزاب السياسية، والمشاركة في البرلمانات والانتخابات، مستصحبة معها بعض التنزيلات لبعض النصوص، والتأويلات المؤيدة لها
فصدرت بعض الفتاوى بجواز ذلك، مستدلين ببيعة العقبة حين جعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التمثيل النيابي نسبيا، إذ جعل النقباء بحسب عدد أفراد كل قبيلة فكان النقباء أو النواب عن الخزرج تسعة وعن الأوس ثلاثة، كالذي تقره النظم الوضعية لتمثيل الأحزاب السياسية حسب قوتها العددية، فعلى سبيل المثال: بررت بعض الجماعات الإسلامية عدم مشاركتها في الانتخابات البرلمانية العراقية التي فازت فيها كتلة إياد علاوي: (بأن المشاركة في البرلمان تعد خدمة للطاغوت
تحت شعار (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه)
هذا في حين بررت بعض الجماعات الإسلامية الأخرى مشاركتها في تلك الانتخابات البرلمانية: (بأنَّ الدخول في هذه التشكيلات البرلمانية التشريعية من أهم الوسائل للخلاص من الطاغوت)
وأن تعدد الأحزاب الإسلامية في مجال السياسة مشروع، وأنه أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه
وأن التعدد لا يعني بالضرورة التفرق، وأن يكون هذا التعدد تعدد تنوُّع وتخصص لا تعدُّد تعارض وتناقض، كما أن بعض الاختلاف ليس ممقوتا، مثل الاختلاف في الرأي نتيجة الاختلاف في الاجتهاد
وتقابل هذه الفتاوى بأخرى رافضة لها، بدعوة أن هذه الأمور لم تكن تستند إلى رافد ديني، من كتاب ولا سنة مطهرة، وأن كلمة الأحزاب لم تُذكر في القرآن إلا مرادفة للفرق الضالة والخارجة عن السواد الأعظم لأمة الإسلام
متناسين أن التحريم يحتاج إلى مستند كالذي يحتاجه التحليل
فكانت هذه الجماعات وتلك، تسير في حلقة مفرغة لا تهتدي إلى طرق العلاج الصحيح لمرض الأمة، بل ما يأتي علاجها إلا من باب «وداوني بالتي هي الداء»
وفي المحصل إن الأمة ذاقت الويلات من التفرق والتخلف والضعف جراء هذا التجاذب بين هذه الجماعات
ولسد هذا الباب الخطير (باب التفرق والضعف)؛ وفق الله الأمة في بداية أمرها بانعقاد الإجماع بين المهاجرين والأنصار على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة إماما للمسلمين، ولم يكن للأنصار (حزب سياسي) مع قيام الدواعي، مع علمهم بالخلاف الفقهي واشتهاره بينهم، واختلاف التنوع لفهمهم وقناعتهم بما ستؤول إليه الأمور
وكذا فعل الملك عبدالعزيز آل سعود الذي وحد الناس خلف إمام واحد في الصلاة في المسجد الحرام بعد أن كانوا متفرقين، لكل أتباع مذهب من المذاهب الأربعة إمام يصلون خلفه، فكانت تقام أربع جماعات في صلاة واحدة في المسجد الحرام، فكانت إحدى المحامد التي حفظها له التاريخ، فلم ينقل لنا التاريخ خلافا يعتد به في ذلك بدعوة أنه اختلاف فقهي، أو أنه اختلاف تنوع، بل الجميع نظر إلى ذلك من جانب جمع الكلمة والتفافا حول المصلحة العامة، لأنه لم يكن من بين أولئك من يريد النفوذ إلى السلطة من إحدى النوافذ الخلفية!