قد تكون من الذين لا يتابعون إعلانات القنوات الفضائيّة، لكن إعلانًا واحدًا قد يترك انطباعًا يختلف عن أهداف المعلن ومبتغاه، وسأضرب مثالًا ذلك الإعلان التلفزيونيّ لبرنامج (الحلم) في قناة (الإم بي سي)، إذ إن الإعلان مثّل ملمحًا من ملامح تفوق الماديّ على الطبيعيّ، وتفصيل ذلك في ظهور تلك الشجرة المتحركة الذي كان مبهجًا في حضور الملايين من الريالات في الشاشة، لكن تلك البهجة لم تدم طويلًا مع مطاردة الإعلاميّ الرياضي المعروف مصطفى الآغا للشجرة أثناء استحضاره للعصفور الذي في اليد ولا العشرة التي على الشجرة.
يقودنا التفكير في الإعلان السابق إلى موقفنا الثقافيّ من البيئة، فقد كان الإعلان تمثيلًا رمزيًّا صارخًا لما يجري في حياتنا حاليًّا، إذ يتغلب الماديّ على الطبيعيّ، فالطبيعيّ لا مكان له في أفق الناس وتطلعاتهم في ضوء اهتمامهم بما هو ماديّ، ولذلك جاء الإعلان متوافقًا مع النزعات المادية، ونافيًا لمبادئ الحرص على الطبيعة والاهتمام بها.
كانت شجرة الآغا المرجع الوحيد في فضاء خال على الرغم من كونها هامشًا لا مركزًا، فالمركز هو العصفور الذي في اليد، ومع ظهور الشجرة في صورة كوميديّة فقد كانت ألوان أوراقها وأغصانها مرجعًا في الصورة الكليّة للإعلان، وفي حضورها البهيّ المتكرر، ومن ثم تغييبها المخيب.
الإعلان منتج ثقافيّ يقودنا إلى التفكير في علاقتنا بالبيئة، إذ تغيب المشاهد الطبيعيّة نتيجة أفعال فرديّة أو جمعيّة، وكأن الجميع يتفق على أهمية إقامة مبنى أو طريق أو ما شابه على حطام شجرة أو شجيرات، وليس غريبًا أن تلحظ عدم الاهتمام بالبيئة في مجتمعنا السعوديّ أو العربيّ عامة، طالما كانت صورة الطبيعة تندرج في إطار التخلف، وصورة المادة تندرج في إطار التطور، وستكون إقامة مبنى واستثماره على حساب الطبيعة سعيًا وراء الملايين متوافقًا مع صورة الإعلان الذي أشرنا إليه، ومتسقًا مع السائد في منظومة حياتنا.
على النقيض من هذا حادثة يروي حكايتها أحد الأصدقاء، إذ وصله استفتاء إلى منزله الذي يسكن فيه في أحد البلدان المهتمة بالطبيعة، ويطلب منه الاستفتاء الموافقة أو عدمها على قطع شجرة كبيرة تقع في الحي لكنها تعيق حركة السير، وبعد مرور شهر لاحظ أن الشجرة في موقعها، فبادر إلى سؤال جاره عنها، فأجابه الجار: إن نتيجة الاستفتاء كانت رفض أهالي الحي قطع الشجرة، باستثناء صوت واحد، وأضاف الجار مبتسمًا: أرجو أن لا تكون ذلك الصوت الموافق على قطعها، يضيف الصديق قائلًا: لم أرد عليه، فقد شعرت بخجل شديد إذ كنت فعلًا الموافق الوحيد على قطعها.
كان صديقي ممثًلا لوعي جمعيّ بامتياز، يصنعه الإعلام فتتمثله الشعوب وتتبناه، ولهذا أرى أن على المعلنين أن يدققوا في تلك الإعلانات التي تشكل ترسيخًا لوعي ماديّ صرف، في الوقت الذي يصنع فيه عدم الاهتمام بالطبيعة، مع كونه يقتات على أدواتها، وعلى الوسيلة الإعلاميّة واجب إشاعة المحافظة على البيئة في كافة تشكيلاتها.