لا أقصد بأحلام العصافير صغر العقول الذي عناه الشاعر بقوله «جسم البغال وأحلام العصافير».. فقلة الفهم والاستيعاب وعدم الإدراك لا علاقة لها بكبر حجم الدماغ.. كما أن كبره لا يدل على زيادة الذكاء والفطنة، بدليل أن الفيل وسيد قشطة ـ عفوًا، سيّد بيه قشطة ـ يمكن أن يصرعه «بالعقل» من هو أصغر منه حجمًا.. وتذكَّروا (أندريه العملاق) مصارع الثمانينات ـ ما أدري هو حي ولّا مات ـ الذي تكسّرت على رأسه الكراسي.. لو كان عقله بحجم رأسه لاستخدمه في حل مشاكل الإنسانية وقضى على الحُمّى المالطية قبل خراب مالطا..
من قال لكم إن أحلام العصافير ضئيلة وتافهة؟ إن هذا الكائن الجميل الرقيق الذي يغرّد ويصوصو ويزقزق ويحلّق، متنقلًا بين الغصون، يمتص رحيق الأزهار بمزاجه العالي «الفُلّلي»، أسعد من وأرقى وأحلى من الفيل أبو زلّومة والبيه المذكور أعلاه «سيّد قشطة»!
خفة الوزن اتجاه عام ينفق الناس في سبيله الأموال، فيوسعون المضمار مشيًا لإذابة الدهون طلبًا للرشاقة والمرونة والليونة واللدونة التي تغَنَّى بها الشعراء وطفحت بها دواوينهم، حتى سار بذكرهم الرُّكبان!
والرقة والدّقة و»السَّمْسَمة» معلم جمالي فطن له حتى الأقدمون من الشعراء حتى قال قائلهم في الأصابع مثلًا:
«ولها بنانٌ لو أردت لهُ ... عقدًا بكفّك أمْكَن العقدُ
ما شانها طول ولا قِصَرٌ ... في خلقها فقِوامُها قصْدُ»
ثم جاء زمن الراحل، العندليب الأسمر «عبد الحليم» ليجدد «قدُك المياس»، محرّضًا على الخفة والنحافة، ليدعم «منظمة الصحة العالمية» في مساعيها لخفض الدهون.. وحينما عم في الناس اعتدال القد والقوام مات عبدالحليم: «يا فرحة كانت ماليه عينيّه.. واستكترتها الدّنيا عليّه»!

