الذين ينسبون الخطيئة لزمن أو جيل بعينه ينزّهون أنفسهم عنها.. فمنذ خلق الإنسان الأول وأسرته الصغيرة، ظل الظلم «شجرة خبيثة»، أكلت الإنسانية من ثمرها الذي أصَحّ ما يقال عنه أنه كرؤوس الشياطين!

ومن نوادر ديوان «الموظفين في الأرض» التي ذاع صيتها وزاط، إليك هذه «النفيسة» التي يسيل لها لعاب القارئ والسامع، وتصلح لعمل درامي يوثّق لونًا من ألوان ظلم الإنسانية التي لا تزال على قيد الحياة تأكل الطعام وتمشي في الأسواق:

- يحكى أنّ ديوان الخدمة المدنية -بمسماه القديم- بعث بخطاب إلى أحد رؤساء الدوائر الحكومية، يعرض عليه مراتب وترقيات للموظفين.. يستأنس برأيه ويطلب منه أن يرشِّح من يستحقون الترفيع.. وهذه المواسم تنتظرها بلهفة حارقة أفئدة «الموظفين» في الأرض، ومن خلفهم أسرهم.. المهم نما إلى علم أحد «اللوجستيين» من الموظفين أن الخطاب المنتظر قد وصل إلى جناب المدير العام -كلمة (سعادة) المدير أو الوكيل مستحدثة فيها تفاؤل ودعاء، كأن تقول (أسعد الله المدير)، ولم أستعملها لكيلا تُخل بتوثيق زمن مسميات ومراتب و»مخدات» الكادر الوظيفي- ما علينا. »جَيّكْ في الكلام»

سرت إشاعة وصول الخطاب إلى جنابه الرفيع فهاصت قلوب القوم ولا صت.. وتحاضن الموظفون وتباوسوا -ارجع للكاتب الجميل الزميل خالد السليمان وبحثه النفيس عن التبويس- المهم يا ولدي انسكب سيل الموظفين في الأسياب يتحسسون الحركات والسكنات، يترقبون ما يتمخّض عنه الخطاب، كما ينتظر الآباء مولودهم على يد»الداية»!

تأمل جناب المدير الخطاب بعد أن غلّق الأبواب.. فكّر وقدّر.. ثم تهلل وجهه وكتب ردًا بليغًا على الخطاب فحواه: بعد أداء واجب الثناء والعرفان والامتنان، نخبر جنابكم الرفيع أن الموظفين في هذه الدائرة حامدون شاكرون ولا يستحقون الترفيع!