قال الشاعر الكبير محمد السنوسي ـ يرحمه الله ـ عن القدس:
ثرى تود الدراري أنها قمم فيه، وترجو الثريا أنها وادي
تردد هذا البيت كثيرا في خاطري، وكأن السنوسي قاله عن جازان طيلة أيام ملتقى جائزة السنوسي الشعرية التي نالها الشاعر السوداني محمد عبدالباري، وقد شرفت بالمشاركة فيها ضمن كوكبة كبيرة من شعراء العرب، بدعوة كريمة من مؤسسها ومديرها الشاعر الكبير محمد يعقوب، وهذه في الحقيقة ليست زيارتي الأولى لجازان، فقد زرتها مرتين قبل سنوات طويلة، لكن هذه الزيارة كانت مختلفة بكل المقاييس.
توجهت إلى جازان عبر الطريق الساحلي، ومررت بالكثير من المحافظات والمراكز على ذلك الطريق باختلاف أحجامها ومرجعياتها الإدارية، وفي الطريق كانت تشدني العديد من المشاهدات، لعلي لا أذكر منها إلا اثنتين، الأولى كثرة (المطبات الاصطناعية) الكبيرة على امتداد الطريق، وهي للعابرين أهون من الإشارات المرورية، ومع أنها وضعت للسلامة أصلا؛ إلا أنها لم تحظ بدراسة متأنية تأخذ بعين الاعتبار سلامة المركبات والمواطنين، فنادرا ما وجدت لوحة تنبه عن وجود مطبات، وإن وجدت فهي بائسة صغيرة لا تلفت الانتباه، وكأن المرور أو وزارة الطرق لا تستطيع ابتكار رمز لافت للمطبات، والأمر لا يحتاج إلى أدلة وبراهين عن تضرر الناس من تلك المطبات، فتكفي نظرة خلف المطب مباشرة لترى الاسفلت مكشوطا من ارتطام بطون السيارات، فهل من علامة لارتطام رؤوس السائقين والركاب بسقف السيارة؟!
ثم المشاهدة الثانية لسور ضخم من الحجارة الكبيرة على امتداد طويل بجوار الطريق، استثار أسئلتي حتى وجدت اللوحة (منتجع الحريضة للقوات المسلحة) فقلت في سري «تستحقون، هنيئا لكم، منتجعات / مستشفيات على أحدث طراز / حملات للحج / إسكانات/ وغيرها مما لا أعلم» فيما يكدح المعلمون حتى تنحني ظهورهم دون أن تلتفت إليهم وزارتهم بشيء مما يستحقونه من هذه الميزات، فليت وزارة التعليم تتذكرهم صحيا على الأقل، ولا يمكن بحال أن يرتفع سقف طموحاتهم ـ والعياذ بالله ـ إلى المنتجعات والإسكان وغيرها من «متع الحياة الزائلة»!!
وصلت جازان التي اختلفت كثيرا عما أتذكر، فاتساع المدينة ورقي مبانيها ومولاتها، وسعة الشوارع وتنظيمها، فنادرا ما يحدث أن أسير في معظم مدن المملكة في شارع بخمسة مسارات في كل اتجاه، ثم الكورنيش الحديث والحديقة الضخمة المجاورة له، وذكاء تصميمه بمنطقة مفتوحة للمشاة والمتنزهين لا تدخلها السيارات، فلم أقاوم كأس الشاي على كورنيشها الساحر (بيعطيك جوانح)، حتى ذاب الشاي في لون الغروب إلى ذروة النشوة المكانية الآسرة، تجنحت لحظتها لأطير في أجواء جازان عاليا حتى تراءت لي حدودها الجنوبية، ورجال الوطن البواسل يذودون عن أمنها وأمن الوطن، والمفارقة أننا بعد قليل سنجتمع في قاعة الفندق نترنم آمنين بالشعر والوطن حتى قلت ممتنا لأسود الوطن وجنوبنا الغالي:
جنوبنا يا جنوبا أمّنت رئة
وصانت الروح وامتدت لها حجبا
في باطن السور ألحان وقافية
وظاهر السور جمر ينفث اللهبا
افتتح الشاعر محمد يعقوب الملتقى، وكرم الفائز وأبناء جازان المميزين عربيا وعالميا في الشعر والمسرح، ثم تناوب الشعراء على المنصة يلقون أطيب الشعر وأعذبه بكل ألوانه وفنونه، ولعل أهم ما كان يمخر أعماقي تلك القصائد التي لم تنس ملك الحزم وأكباده المتمترسين دفاعا عن حدودنا وأمن يمننا العزيز في الجو والبحر والبر، فكانت اللحظات آسرة والأجواء مفعمة بالشعر طيلة الجولات الشعرية الثلاث، ثم في صباح اليوم التالي، اصطحبني العميد البحري المتقاعد القاص عمرو العامري إلى جبل الملح الصخري القريب من الفندق، فكان المنظر مبهرا، لا يشوّهه إلا ترك المنجم مفتوحا للعابثين الذين اتخذوه مرمى لمخلفات البناء، ولم تردعهم حتى القلعة التاريخية الضخمة في رأس الجبل. ثم اصطحبنا إلى مرسى مراكب الصيد، بجمال تنظيمه وضخامته، فاستوقنا مسنون يعدون قوارب شراعية لسباق سينطلق بعد يومين، وبسؤالنا عنه تأوهوا متذمرين من رفض الرئاسة العامة لرعاية الشباب رفع قيمة الجوائز أو فتح الباب لتمويل الرعاة بدعوى الحرج. وبعد الظهر ركبنا البحر جميعا إلى جزيرة (الأحبار)، الجزيرة البكر التي شرح عنها الأستاذ رستم وعن طموحاتهم في تأهيلها للاستثمار السياحي، ولفتني أن أسعار أجرة القوارب هناك خمس إيجارها في جدة، وليته لا يزيد.
تحدثت عن الكثير، ولم أتحدث عن إنسان جازان الودود، بنبله وكرمه وحبه وبشاشته، وحبه للوطن والسلام والفن، وكانت مخيلتي تستعرض قائمة المطلوبين الأمنيين التي نادرا ما حملت اسما من تلك المنطقة، فالحديث عن هذا الكائن الشعري الفنان الجميل يحتاج إلى مقالات أطول. حفظ الله جازان والوطن، ونصر أبناءنا المرابطين على الحدود.
[email protected]
جازان.. المكان والإنسان!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
