أحسب أنه متى ما امتلكنا نقدا أدبيا صحيحا، نحتكم فيه إلى الذوق والجمال والمعيار، سيضطرنا ذلك النقد إلى أن ننقض كثيرا من الأوهام التي أريد لنا أن نؤمن بها، دون أن نسأل، أو نفهم، أو نوازن، أو نقابل، فنقد الأدب سيق إلينا في مسوح من العلم، فلا منهج إلا ما قاله نقاد الحداثة، ولا مصطلح إلا ما ارتضخته ألسنتهم، ولا شاعر ولا قاص إلا من أداروا عليهم كلماتهم، فرفعوا قوما ووضعوا آخرين، وألفينا أنفسنا، حين انقشعت المعركة واسترد الناس أنفاسهم، إزاء شعر عظيم وآخر معتل هزيل، وكان جديرا أن يميز النقاد بين حسن الشعر وقبيحه، لا أن يساوى شاعر لين الشعر بآخر متين الشعر مبدعه، وأن يشغلنا النقاد والأندية والصحف بمن لم يستكمل آلة الشعر، حتى إذا دار الزمان ومضى كلٌ إلى سبيله، إذا بنا نقرأ شعرا فنعرض عنه، وقصا فنطَرحه، ونظهر على نقد يخفي ضعفه وخواءه تحت أردية العلم والمنهج والنظرية.
سكتتْ أصوات عن بيان ما في تلك الآثار من ضعف، وما فيها من لين، وكأنما كان من شرط الانتساب إلى الأدب الحديث والنقد الحديث أن تقبل الأثر الضحل ما أعلن انتسابه إلى ذلك التيار، وأعجب شيء أن نقد الحداثة مهما تنوعت مناهجه وأدواته، يخيِل إلى الناس أنه لا يحتكم لما سوى العلم والمعيار، وأنه من أجل ذلك لن يضلَ في مهاوي الانطباع والذوق، فأسسه موطَأة، ومقاييسه سبيلها التوسط والاعتدال، وما تقوله مجافٍ للهوى والابتذال، والحق أننا اليوم نقرأ بعض شعر تلك الحقبة التي نُصِب فيها رواد، فنعجب كيف سكت نقاد «العلم والمنهج والمعيار» عن اختلال في العروض، ونبوٍ في القافية، ولين في اللغة، وخروج على النحو، وكيف زيَن لهم ضميرهم النقدي تدبيج الفصول والكتب في شعر أهون ما يقال فيه: إنه معتلٍ مريض، لا يحمل، بعد كل هذه العقود، ما يستحق أن نعدَه تراثا أدبيا، ولكن نقاد «المنهج والعلم والمعيار» دفعهم تعصُبهم لأنفسهم – ولا أقول للتيار أو المذهب – لإعلاء شعرٍ حقه أن يُصَدَ الناس عنه، وأَذْكَرَنا سلوك هؤلاء النقاد، شعرا فاترا هلَل له سلفهم وكبَروا قبل عقود، لا لما انطوى عليه من جمال وفن، ولكن من أجل وفائه لعقيدة في القومية أو السياسة، ثم إذا بالنقاد أنفسهم، بعد أن سكنت نائرة الأدلجة، يأسون على شعر ولد عليلا، فلم يكشفوا عن علَته، وخدعوا الشعراء والقرَاء، حين اعتدُوه قويا فتيا. واليوم متى أعدْنا الكرَة، وفحصنا عن بعض ذلك الشعر الذي طالما تغنَى به نقاد وأندية وصحف، فعسى أن سيتكشف لنا أن «تطرية» النقاد والإعلام لم تستطع أن تحجب ندوبا غارت فيه، وأن جمهرة من أولئك الشعراء، ومنهم من حصد جائزة أو تزيد، خُدِعوا إذ عُدُوا روادا، وكان حقيقا بالنقاد، لو كان نقدهم سليما صحيحا، أن ينصحوا لبعضهم أن يستأني في شعره، وأن يتمرن على نظم الشعر، حتى إذا كان له ذلك، أخرج شعرا برئ من علل النحو والعروض والإملاء!
[email protected]
رواد من ورق
حسين بافقيه3 دقائق للقراءة

حجم الخط
